العدد 1721
الإثنين 01 يوليو 2013
بعد يوم من الواقعة: مصر.. ما الذي يجري؟ غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الإثنين 01 يوليو 2013

تمت كتابة هذا المقال والسماوات في مصر ملبدة بالكثير من الغيوم، والخطوب مدلهمّة، طرفا الصراع، الإخوان ومن ناصرهم، والمعارضة ومن شايعهم، يقفون على طرفي نقيض من مسألة لا يريدون الدنوّ منها، والطرفان يدّعيان بها وصلاً. كتب هذا المقال في الساعة الأولى من بعد فجر يوم الثلاثين من يونيو الذي أصبح ماضياً، ولا أدري ما الذي يمكن أن يجري في نهار هذا اليوم، ولكنني أظن – وأبتهل إلى الله أن يخيّب ظني – أنه سيكون يوماً مؤسفاً.. فالمقدّمات تقود إلى النتائج، وما دامت المقدمات قد سالت فيها الدماء، وانفتحت فيها الجروح، وارتفعت ألسنة اللهب، وتصاعد فيها دخان الحرائق، فلن تكون النتائج سعيدة على الأرجح، وهذا أيضاً ما لا يتمناه أحد.
إذا كان أهل مصر أدرى بشعابها، وإن كان ليس محظوراً على أحد أن يناقش أي أمر سواء كان داخلياً أم خارجياً، فإن مصر لم تكن أبداً، طوال تاريخها العريق، بدءاً من التاريخ الحديث على الأقل، مروراً بالتاريخ المعاصر، أمراً خارجياً لأي عربي، وللبحرين على وجه التحديد، ولكن النقاش ها هنا سينصب على الحالة وليس على التفاصيل الدقيقة في ترجيح أكفّ الموازين، سواء كان بالميل، أو الاتزان الذي لا يرضي أحداً ويعتبره البعض نوعاً من الجبن والتمويه والرمادية!.
المتتبع لأحداث مصر التي كانت المحرّك الأهم لما جرى بعدها من حراكات سياسية واجتماعية، نجح بعضها وفشل الآخر، وتميزت غالبية التغييرات التالية بالكثير من الدماء والأرواح، وتعسّرت الولادات في البعض الآخر، ومات الجنين في البطون في محلات أخرى؛ المتتبع سيرى أن مصر لم تستقر يوماً من بعد ما جرى، حتى أن هناك تساؤل عمّا إذا كان من الأفضل ألا يزال النظام السابق البقاء في ظله حتى مع ما عليه من مآخذ داخلية وخارجية. وهذا القول يظل يتردد في جميع الحالات التي أزيل فيها نظام سابق، وهذا بحاجة إلى مبحث نفسي واجتماعي وتاريخي معمّق في عشق العرب للديكتاتورية والنظم الأبوية، وخشيتهم من أن يكونوا أحراراً. ومصر التي حاولت أن تجد لها طريقاً لم يكن يوماً ممهداً للشعب أن يقول فيه كلمته منذ أن عرف الإنسان التدوين والتأريخ، أي منذ الحضارة الفرعونية، تحاول اليوم أن تحرق كل هذه المراحل، وأن تقفز على كل المعوقات في محاولة منها لقول كلمتها من خلال الشعب الذي لم يتربَّ أو يتدرب أو يتعلم أو يهيَّأ لهذا النوع من التداول السلمي للسلطة.
بصرف النظر ما إذا كان الرئيس المصري اليوم من جماعة الأخوان المسلمين أم كان من الطرف الآخر المتنوع والمتعدد الألوان، فإن الأمر نفسه من المتوقع أن يحدث. وسواء نجح الحراك الذي تم في الأمس في إجبار الرئيس على التنازل والرحيل عن السلطة، فإن المتوقع أن يقوم بالدور نفسه الذي قام به الرئيس المصري الحالي، من حيث توزير وتحفيظ (تولي المحافظات) لمن يوالونه في الفكر والمنهج، وستصبغ الدولة بصبغته إلى حين، وسيخرج عليه المتضررون، وهم كثر في كل الأحوال، وسيهزّون كرسيّه، ويهددونه، ويحرفون الدولة عن الوصول إلى غاياتها، وسينزل الحاكم عن الحكم ليأخذ – هو وحزبه – دورهم في الشارع للقيام بالشيء نفسه تجاه الخصوم، وهكذا يستمر النزيف حيناً من الوقت، ولكنه وقت مهم ومكلف بالنسبة لدولة بحجم مصر صارت اليوم مهددة بالعطش من قبل دولة المنبع لنيلها الذي نسجت عليه حضارة لم تقدّر لأي من دول حوض النيل الأخرى، ومهددة بانقسام اجتماعي يوشك – لا قدّر الله – أن يتحول إلى معارك اليوم قد تتطور في الغد إلى حرب أو ما يشبهها، وفي كل الأحوال والتسميات هناك خسائر بشرية لن نعرف أسماءها ولا أشكالها ولا أحلامها الصغيرة... أناس سيدفعون الثمن نيابة عن من يعتلون الكراسي ويحرّكون الجماهير ويلهبون مشاعرها الجياشة، وسيتم استخدامهم كقميص عثمان، يُلوَّح بهم لفترة من الزمن حتى تُستنفد مهمتهم ولن يتبقى غير الألم والحسرة لدى ذويهم.
فعلى الرغم من أننا أمام حالة من الفعل الديمقراطي تتخلق يوماً بعد يوم، وتتلمس طريقها، وتحاول أن تخطّ نهجها الخاص، وعلى الرغم من الوعي السياسي العالي والمفترض في الأحزاب والكتل المتنافسة؛ فإنهم يصدرون عن العقلية ذاتها التي ترى أن زمانها – إن حكمت – سيستمر إلى الأبد، وأن سنة التغيير لن تطالهم، وأن الحكم سيكون لصيقاً بهم، فيعملون على أنهم يحكمون إلى غير نهاية، وأنه باعتلائهم سدّة الرئاسة قد توقف التاريخ، ووضع المؤرخون أقلامهم واعتزلوا، لأن ليس هناك جديداً ليُكتب. مع أنهم يرون أن أرفف المكتبات تئنّ بكتب التاريخ، والعربية منها ليست قليلة، ولكن المعتبرين قلة.
إننا أمام حالة عربية غير فريدة وليست نادرة. حالة المعاناة الكبرى في سبيل وضع نظام صلب يقوم على احترام الاختلاف، يؤطّر بممارسة ديمقراطية واعية وناضجة، هذا النظام الذي يجري الدفاع عنه من قبل المعارضة قبل الحزب الحاكم، لأن الطرفين سيتبادلان المواقع طال الزمان أم قصر، ولا أحد يودَّ أن تجري معاملته بشكل دوني يحطّ من قدره وكرامته، أو يستصغره، أو يعتبره مجرد تابع لا شريك في الوطن. هناك من يقول مخلصاً أننا كأمة عربية لا يصلح لنا التداول السلمي للسلطة، وجل ما نطمح إليه هو الحاكم العادل، وإن كان مستبداً، وأننا لن نصل أبداً إلى ما وصلت إليه الدول المتقدمة التي نتطلع إلى نسخ تجاربها، لا من الناحية الاجتماعية ولا السياسية ولا النفسية، فهناك بون شاسع بيننا... ولا أعتقد بصوابية هذا الرأي لأننا بذلك ننسف التطور التاريخي المفترض ونحاول عبثاً لجمه.
قلوبنا في مصر، ومع مصر، وعلى مصر... لطفك اللهم.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .