العدد 1717
الخميس 27 يونيو 2013
سعار الطائفية وريبة الأنظمة الصامتة غسان الشهابي
غسان الشهابي
ذرائع
الخميس 27 يونيو 2013

لا يمكن لأحد اليوم التنصل من هذا التدهور الكبير الحاصل على امتداد الوطن العربي والإسلامي والمتعلق بالجانب المذهبي أو الطائفي (وإن كانت الأولى أصحّ) وهي تتعملق وتتغوّل في واقعنا من دون ما رادع أو أي تحرك جدّي يكفّها عما هي فيه.
فمن باكستان حيث القتل والتفجير والاقتناص يتم كل أسبوع تقريباً في إراقة الدماء حيث يتفنن ويتقاطر المقتتلون أرتالاً أرتالاً، يصطفون في طوابير الواحد منهم ملتصق في ظهر الآخر من أجل الاقتراب خطوة من اليوم الذي سيشارك فيه لـ “تطهير” العالم من خصومه الذين بينه وبينهم مشتركات لا حدّ لها ولا حصر على اعتباره أول طريق النصر في القضية الكبرى التي لا تأتي أبداً. مروراً بإيران حتى تفصيل الدولة الثيوقراطية على مقاس فئة واحدة وتنادي بأن تصل دول الخليج العربية نفس الرداء الإيراني لطوائفها في البلدان التي تعاني أساساً من مشاكل من الصعب ترقيعها وجمعها في مكان واحد، فهي دول أيضاً لها مشاكلها القائمة على المذاهب المتعددة. وباستعراض الكثير من الدول الواقعة تالياً لدول الخليج العربية، سنجد أن المشكلة واحدة، والأدوار التي تجرى وتحاك هي نفسها، والشعوب لا تريد التعلم من تجاربها إلا في جوانبها السوداء والدموية، والأنظمة هي أيضاً لها الموقف نفسه: الصمت أو ما يشبه الصمت، هذا إن لم يكن دورها التحريض والتمويل والحث المعلن والخفي.
هذا السعار المنتشر والمتعالي في غلوائه وهمجيته يتغذى على الجهل والخوف.. جهل الناس بالناس وحقائقهم، وكذلك الخوف من أن يهجم عليه الآخر ويفنيهم عن الوجود أو يحجّمهم ويقصيهم كما تشير ألطف التعبيرات، بالتالي، فإننا مرتهنون لهذين العاملين الشبكيين اللذين إنْ فوّت أحدهما الجمهور، فإن الشبكات الأخرى لن تبقي ولن تذر، لأنها مستعدة لالتقاط كل الناس وضمّهم تحت لوائها. هذا التخويف هو الدافع في هذه البقعة من الأرض، كما يدفع التابعون فقط لهذا الدين (بشكل كبير جداً ولافت جداً ومخيف جداً) لأن يكونوا أكثر غلّواً من غيرهم من أتباع الديانات الأخرى الذين اختطوا مناهج في حياتهم، وأوقفوا ما لله لله، وما للبشر للبشر من دون أن يلجأوا إلى خلط الأوراق والأدوار، وتعدي الإنسان على الخط القائم بين الإنسان وخالقه، لأن ما من شخص سيكون محاسباً أمام الخالق جلّ في علاه يوم القيامة عن صلاح أو فساد عقيدة الآخر. كما أن أديانا كثيرة أخرى لا تقل انتشاراً عن الإسلام، ولا تقل تشظيا وتنوعاً عمّا في هذا الدين العظيم من مِلل ونِحل وفرق ومذاهب، ولكن الاحتراب بينها لا يصل إلى نشرات الأخبار ليكون خبراً رئيسياً ويومياً. ولا نكاد نسمع عن مذهب مسيحي مثلاً أو طريقة بوذية أنفقت الملايين وربما المليارات لتحويل أتباع مذهب آخر إلى مذهبها، وزيادة عددها بهذا الحماس والاندفاع الواصل إلى درجة المرض كما هو يوجد اليوم في فرق ومذاهب هذا الدين. أما الحروب فلقد وقعت لأسباب كثيرة، وقضى عشرات الملايين نحبهم في حربين في القرن الماضي كانتا الأعنف على مر التاريخ، ولكن لم يكن الدين أو المذهب سبباً في هذا. لذا تحالفت ألمانيا البروتستانتية وإيطاليا الكاثوليكية واليابان البوذية، ضد بريطانيا وأميركا البروتستانتيتان والاتحاد السوفيتي اللا ديني وبقية دول أوروبا ودول عربية، وهكذا كانت المصالح القومية – سواء اتفقنا على دوافعها اليوم أم اختلفنا – هي المحرك الأكبر لتحريك عجلة الحرب، ولم تكن المذاهب هي الدافع الأساسي لها.
إذا كان العجب والذهول مما يصيب الإنسان المتوازن من هذه الغلواء التي عمّت مشرق الوطن العربي بهذا الضغط العالي على مردّه حماقات ربما، وتعصّب وانحرافات فكرية ودينية وتشوّهات نفسية، وشعور بالفشل في تحقيق الذات بالطرق الطبيعية وبذلك يتم اللجوء إلى التطرف والعنف والقوة، فهذه أمور ربما تكون واردة أينما كانت، ويمكن تفهمها والعمل على حلها، ولكن المريب في هذا الأمر كله: هو هذا التراخي والصمت وإفلات الحبال، وترك الساحات مفتوحة من قبل الجهات الرسمية في هذه الدول جميعها تقريبا، وعدم التصدي إلى هذه الظواهر منذ بدايتها، والجبن والخور الإداري في تحمل المسؤولية وهي أجهزة ليست قاصرة أو قصيرة النظر، لأنها ترى الفتن تنتشر بالآلية نفسها في دول كثيرة، فأين هي من تكرار السيناريو نفسه في داخل حدودها، ومع كل هذا فإنها لا تتحرك لمحاصرة هذه الظواهر وهي في مهدها، ولا تكافحها وهي في طفولتها ونشأتها، وإذا ما قويت هذه الظواهر والحركات وصارت في عنفوانها أشارت الجهات الرسمية إلى انفلات الوضع وتجريد القوات والجيوش والأجهزة لقمعها، حتى ليظن الظانّ أن كل هذا يتم إما بتخطيط من الدول والدوائر الرسمية، وإما لأنها تريد أن تتسلى باستعراض القوى ونفض الغبار عن الأسلحة المكدسة في ترسانتها التي لا ولن تحارب بها عدوّاً ذات يوم.
لقد شهدنا كثيراً من مقاطع الفيديو التي تشير إلى “غباء” بعض الناس الذين يريدون أن يحرقوا شيئاً ما، فيسكبوا عليه الكيروسين فإذا بالنار تمسك بملابسهم وتحرقهم، وسواء كانت الدوائر الرسمية العربية قاصدة أن تربّي وتغذي بؤر التطرف هذه ذات السعار الطائفي، وذلك لإشغال الناس بالناس حتى لا يلتفتوا إليها، وسواء كانت هذه الأجهزة لا تعلم ولا يصل جواسيسها وعيونها إلى هذه الجماعات، وإذا كانت تدري ولكن لا عزم لها أو قدرة أو رغبة للتصدي لها، فإنها ستكون كمن يتفرج على النار التي ستعلق في ثيابه، لأن اللعبة ستكبر، وتدحرج كرة الثلج لن يكون بالمقدور وقفه أو فته إلا باستخدام القوة والكثير من الخسائر والمعاناة، بعد أن يترك الأمر جروحاً وندوباً لا داعي لها في نفسيات الناس، ويصعب بعد ذلك علاجها. فلا تلعبوا هذه اللعبة وتتفرجوا.. فقريباً ستكونون داخلها من حيث لا تعلمون.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .