في مسرحية الرحابنة الكوميدية “صحّ النوم” التي أنتجت في العام 1972، تقوم فيروز بسرقة ختم الوالي الذي لا يصحو من نومه إلا ليلة في الشهر عندما يكتمل البدر، فيختم ثلاث معاملات ويعود للنوم شهراً آخر، وتتكدس معاملات الأهالي. ولكي لا ينكشف أمر فيروز عندما تختم لنفسها فقط المعاملة الرابعة، تعمل على ختم جميع معاملات الناس، وعندما ينكشف أمرها ويُحكم بربطها بين حصانين أهوجين، فيبطل الوالي الحكم بقوله: العدل حلو... لكن الرحمة أحلى!
لن تتأسس الدول على مسرحيات، ولن يأخذ القضاء أحكامه منها، فالقضاء تلك السيدة الممسكة بالميزان المتساوي الكفتين وقد عُصبت عيناها، لا ترى أحداً ولا تتأثر بدموع، ولا تستمع للضجيج، ولا تصيخ لأحد ما دامت القوانين أمامها واضحة، والأدلة دامغة، والطمأنينة متوفرة فيما ستصدره من أحكام، والقناعة راسخة، والضمير مرتاح، لأن ليس ثمة قاض يعاقب أحداً بأي من العقوبات، حتى وإن كانت مع وقف التنفيذ، صعوداً إلى الحرمان من الحرية لأيام أو سنوات، وصولاً إلى حرمانه من الحياة، وينام خالي البال وهو يدرك تمام الإدراك أنه لو كانت هناك فُرجة لتبرئة المتهم لأخل القضية منها، شأنه شأن الإرث الإسلامي العظيم في هذا الأمر، وأنه حتى لو كان من بين المئة دليل إدانة دليلٌ واحد على البراءة يرجّح دليل البراءة على ما سواه.
ليس من قاضٍ عربي لم يطلع على كتاب “الأحكام السلطانية” للفرّاء (توفي 458هـ)، وما يستفاد من الأسس التي انبنى عليها القضاء في الإسلام في أزهى عصوره، أو تلك الكتب المؤرخة للقضاء في الحضارة العربية الإسلامية، وهي كثيرة جداً، من بينها كتاب “القضاء والقضاة في الإسلام” لعصام محمد شبارو، و”قاضي القضاة في الإسلام” للكاتب نفسه، للاطلاع على الكيفية التي كان فيها القضاة يتعاملون مع القضايا بكل المعطيات، بما فيها الحدس، وكيف يحرصون على إيجاد الفُرَج للمتهمين بما لا يخل للعدالة ميزان، ولكن أيضاً بما يجعلهم قريري العين بأنهم فضلوا أن يجد متهمٌ سبيله للبراءة، أفضل ألف مرة من أن يجد بريء طريقه للحبس والعقوبة، حتى ولو كانت العقوبة ضرب تعزير، وهو أقل من ضرب الحدود.
“الرحمة فوق القانون”، مقولة قديمة، لا يلجأ إليها إلا من أحاطت بهم الأدلة المادية والمعنوية، والعقوبة يرونها رأي العين، وغالباً من يعتقد أن لديه الحق، هو من يطالب بإنزال أقصى العقوبات وأقساها تجاه خصمه، إلا من خصّه الله بالرحمة والرأفة، وغسل قلبه بالبَرَد، فيرى في إدانة خصمه ما يكفي باستيفاء حقه. فـ “كل الانظمة القانونية شعرت بالحاجة إلى إصلاح صرامة القانون من خلال اعتماد المعايير القانونية والدعوة إلى تفسير القانون بروح العدالة بدلا من التركيز على حرفية النصوص عندما يشعر القاضي أن الظلم بعينه يتحقق لو طبق القانون بحذافيره وهذه الحالة نجد تعبيرها في القول المأثور”الرحمة فوق القانون” الذي لا يعني إلا أن على القاضي ان يطبق القانون بروح العدالة” [1] .
ولا يدر في فكر أحد أن هذا المتقدم من الكلام سيأتي فقط في الإطلال على أحكام محكمة التمييز الأخيرة في حق الكادر الطبي، لأن هذه الأحكام ما هي إلا من سلسلة أحكام كثيرة صدرت في الآونة الأخيرة على درب تقديم العلاج النهائي الذي يحتكم إليه الناس في ما أشكل عليهم من أمور، وما اختلفوا فيه. وكما أوردنا في مقال سابق [2]، فإن إهانة المؤسسة القضائية، وبالتحديد القضاء، لن يعمل إلا على خلخلة الثقة في أحد أهم أركان السلطات في المجتمع، التي هي ثلاث رسمياً، وصارت خمساً بشكل غير رسمي (بإضافة الصحافة ومؤسسات المجتمع المدني)، ونرى تقلب المتخاصمين، والسياسيين منهم بشكل خاص وجلي، وهم يعظمون من شأن القضاء إن سارت الرياح في صالح سفنهم، ويسفّهون أحكامه ويصفونها بالمسيّسة إن جاءت على غير ما يشتهون.
إن روح العدالة، أو ما تسمى بروح القانون، هي الرحمة المقدَّمة على العدل، وهي ما نحتاجه اليوم ربما أكثر من تطبيق حرفية القانون. فالقضاء يقف أمامه في هذه الأزمة من الفرق الثلاثة (ولن أقول الفرقاء)، فهناك متهمون من حراك المعارضة، وهناك متهمون من السلطة التنفيذية في جانبها الأمني، وهناك أيضاً من يقف أمامه من فريق الموالاة، أنصار كل فريق يتطلعون إلى أقصى العقوبات أن تنزَّل على الخصوم، وأخفها إلى حدّ البراءة على أتباعها ومن ينتمون إليها. ومن هنا فإن المجتمع البحريني (على وجه الخصوص في هذه القضية) محتاج إلى المعالجات الأساسية مع الأخذ في الأحكام بما يسمى بالرحمة، في إطار عام هادف ليس إلى طيّ صفحة الماضي، فالطيّ كما القفز على المشكلة، لا يحلها، ويبقي ما في النفوس في النفوس، يتحرج البعض من إظهاره، ولكنه يسارع للاتقاد عند أول معضلة طال الزمان أم قصر، وهذا ما يشبه المسكنات التي ما أن يزول تأثيرها حتى يعاود المريض الألم، فنحن أحوج ما نكون إلى العلاجات العميقة التي تستأصل هذا الذي دبّ بين الناس.
إن إنزال أقصى العقوبات، بل والمطالبة أحياناً بتغليظها بما يتناسب مع “الجُرم” المرتكب في تصور المتضرر، لن تشفي غليلاً، ولن تداوي جريحاً، ولن تحيي قتيلاً، فالألم لا يشعر به إلا من عاناه، وفي المقابل فإنها لن تثني مختلاً أو مدفوعاً بدوافع شتى لأن يخرج من السجن وهو يقسم ألا يعود إليه ثانية، فالكثير من التجارب العالمية تقول عكس ذلك، ولن تشذّ البحرين عن هذا الإطار العام. إنه وقت الممسكين بأسفار وملفات الخروج من الأزمة حتى يتبينوا الطريق التي يمكننا أن نذهب إليها مستقبلاً، فليست السجون والمشانق علاجاً، ولكن العلاج يبدأ بقطع الطريق أمام الناس لئلا يذهبوا إلى السجون لأن هذا يعني وجود مشكلة في “العلاج الوقائي”.
هامش:
[1] عبدالكريم (حامد فارس)، الرحمة فوق القانون، http://www.iraker.dk/index.php?option=com_content&task=view&id=5498&Itemid=99
[2] انظر مقال “ذرائع” المنشور في 7 يونيو 2012، بعنوان “إعطاب قلب الأمة”.