العدد 2104
السبت 19 يوليو 2014
ثقافة المبادرة أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
السبت 19 يوليو 2014

يعكس تطور المجتمعات المتمدنة استقرار قناعات لدى غالبية الأفراد تتمثل بالبذل والعطاء والتطوع دون انتظار جزاء ولا شكوراً، وعدم ترك الحبل على القارب بصورة يندى لها الجبين بحيث تطغى في المجتمع ثقافة سلبية تعكس قناعة تتمثل بغض الطرف عن أي إبداع يتحقق من خلاله الإسهام في أية حركة تطوير، وهو داء يصيب المجتمعات إما لضعف في قنوات التشجيع والتحفيز على البذل في سبيل خدمة المجتمع، أو لعدم شيوع ثقافة تعكس مبادرة الإنسان في المجتمع إلى خدمة مجتمعه.
إن ثقافة المبادرة هي ثقافة إيجابية متى سادت في المجتمع سادت فيها تلبية الكثير من احتياجات التنمية فيه بمختلف قنواتها، فالمجتمع الذي تشيع فيه هذه الثقافة مجتمع يتطور باستمرار، وتنتشر في ربوعه الفعاليات المختلفة التي تزيد خصوبة الفكر والوجدان في المجتمع، كما تقل في أوساطه المعدلات التي تعكس المؤشرات السلبية في تعاطيه مع التطور والتجديد.
إن هذه الثقافة ينبغي ربطها ببعد تعبدي إيماني، فخير الناس أنفعهم للناس، والبذل لأجل المولى تعالى يقتضي عدم انتظار أي جزاء، وخير باب من أبواب الخير يطرقه العبد يتمثل بالسعي في مصلحة أخيه المسلم أو حتى أخيه في الإنسانية، فهي من أجل العبادات التي تفتح على المرء أبواب الأجر والمثوبة العظمى.
إذا كانت حقوق العباد مبنية على المشاححة، فإن ذلك يقع في قناعة من لا يدرك حقائق الأمور ودلالتها الشرعية المرعية، فهي بالفعل مبنية على ذلك لمن وجد في نفسه ضعفاً في البذل لمجتمعه الذي ينبغي أن يستشعر فضله عليه، وإلا فإن العبد الفطن لا يبني حقوقه التي تنشأ عن علاقته بالعباد على المشاححة، بل يبنيها على ثقافة البذل والمثابرة دون انتظار أي مقابل نظير ذلك.
إذا شاعت في المجتمع هذه الثقافة التي ينبغي أن تكون إشاعتها مبنية على وعي بأهمية العمل التطوعي، فاعلم أن هذا المجتمع سيصيب حظاً وافراً من الاستقرار المجتمعي وطمأنينة العلاقات على اختلاف المستويات، أما إذا كانت هذه الثقافة منكسرة في توجهات من يعيش على الأرض التي تجمع أفراد المجتمع، فإنك ستجد المجتمع مجتمعاً سلبياً لا يفكر ولا يبدع، ويكفي المرء أن يحفز نفسه بما يقترن بثقافة المبادرة من بعد تعبدي حتى يكون صادق الإقبال، وعدم قصر ذلك ضمن نطاق رد الجميل لمجتمعه الذي يكن له الامتنان ارتباطاً وتعلقاً.
إن ثقافة المبادرة هي الثقافة التي ينبغي أن تعتني بها الجهود الرسمية والأهلية، وما لم ترتبط بقناعات المواطنين أهمية هذه المبادرة من خلال عدم ربطها بالمصالح الذاتية الآنية، فإنها ستكون ثقافة سطحية لا طائل منها ولا تحقق المأمول والمرجو لتحقيق نهضة المجتمع.
وحقيقة الأمر، إن المجتمع البحريني يتمتع بتوجه إيجابي نحو ثقافة المبادرة أثبتها إبان الأزمة التي مرت بالبحرين في العام 2011م، حيث أقبل المواطنون المخلصون على خلفية الإضرابات التي حصلت هنا وهناك على سد الحاجة بصورة عكست إيجابية من المواطن البحريني وحباً وإخلاصاً لوطنه، وأثلج ذلك صدر القيادة الرشيدة التي عندما رأت هذا البذل من المواطنين دون انتظار مكافأة أو عطاء، حيث قاموا بذلك لحسن وطنيتهم، فأصدر صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر توجيهه بتثبيت هؤلاء تقديراً لهم على بذلهم ووقفتهم مع وطنهم وقيادتهم.

زبدة القول
إن البذرة الخصبة لثقافة المبادرة في المجتمع البحريني تمثل أرضية صلبة لتطوير صناعة ثقافة المبادرة وغرسها في الأجيال اللاحقة حتى تكون قادرة على استيعاب وسد حاجات المجتمع، حيث تقع المسؤولية في ذلك على القطاع الرسمي والقطاع الأهلي على حد سواء، وذلك من خلال برامج جادة تغرس هذه الثقافة في وجدان وسلوك الأفراد والتنظيمات المختلفة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .