يبدو أن المحاصصات في سوريا التي تأتي على حساب دماء الشعب السوري لم تنته بعد بين القوى العظمى، ويبدو أن البعد الإنساني لم يعد يرتبط بالمشهد السوري من قبل هذه القوى التي مازالت لا تبالي بالدم النازف هناك، حيث أصبحت القوى العالمية الموالية لنظام الأسد والمعادية له تصفي حساباتها على الأرض هناك، ولعل في تصريح المجرم بشار الأسد لإحدى القنوات الأميركية بتوقع الرد على الضربة الأميركية من حلفائه ما يمثل توجهاً إلى توسيع نطاق الصراع ليستوعب العديد من الدول التي تؤيد الضربة على سوريا، وأعني بذلك دول الخليج وكل من يدخل في دائرة الصراع، وهو ما يعني أن الصراع بعد الضربة الأميركية في سوريا لن يكون مقتصراً على سوريا وأميركا وسيمس مختلف الأطراف، بل ربما يكون شرارة لبداية حرب عالمية ثالثة كما يتكهن الكثير الغالب من المتابعين لتطورات المشهد السوري بعد هذه الضربة.
فها هي روسيا الحليف الأقوى لسوريا تبادر بجعل الأسلحة الكيماوية للنظام السوري تحت تصرف الأمم المتحدة كحل لتفادي الضربة الأميركية لسوريا، والنظام السوري يوافق على ذلك ويؤكد رغبته في الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيماوية، وذلك مقابل تراجع حاملات الطائرات الأميركية التي أصبحت على مشارف السواحل السورية استعداداً للضربة، وأوباما في ذات الوقت يعلن عن تأخير عرض موضوع الضربة العسكرية على سوريا على الكونغرس حتى يعطي للحل الدبلوماسي نطاقاً من خلال عقد مؤتمر جينيف الثاني، وفي خضم هذا التجاذب دول الخليج تؤكد تمسكها بموقفها المؤيد لإجراء رادع للأسد، مؤكدة أن مبادرة روسيا بذلك لن تحل مشكلة الصراع المحتدم في سوريا ولن توقف نزيف الدم السوري، في حين أكد كيري أن اقتراح موسكو لا يعد مبرراً لتأخير الضربة العسكرية، والمعارضة السورية التي أصابها الإحباط بعد المبادرة الروسية تدعو الغرب إلى عدم اختزال الأزمة السورية بمسألة الأسلحة الكيميائية، وفرنسا تضغط لقرار أممي صارم ضد سوريا، واليونسيف تؤكد أن النزاع في سوريا يترك جراحاً غير مرئية عند الأطفال السوريين، وهيومن ووتش تحمّل الجيش السوري مسؤولية الهجوم الكيميائي، وهكذا تتوالى الأخبار عبر مختلف وسائل التواصل حول الأزمة السورية، لتعلن استمرار المحاصصات بين القوى العظمى في بلاد الشام، ليبقى التساؤل الذي يفرض نفسه في خضم ذلك... إلى أين ستأخذنا هذه المحاصصات؟ وإلى متى سيظل الدم السوري ينزف، والشعب السوري مشرد، والنظام المجرم في سوريا مصر على إجرامه؟ وكأنما المشكلة مع النظام السوري سترتفع مع تدمير الأسلحة الكيميائية، لاسيما أن النظام السوري من خلال إعلانه الموافقة على الانضمام إلى معاهدة حظر الأسلحة الكيميائية يسعى إلى تحقيق غرض خبيث يتمثل في تأكيد الاعتراف الضمني من قبل المجتمع الدولي بشرعيته التي أكدت الكثير من الأنظمة العالمية أنها ما عادت معترفا بها.
إن تصاعد المشهد السوري إلى ما وصل عليه الآن وثبات النظام رغم مرور أكثر من عامين على اندلاع الأزمة سببه واضح، وهو يتمثل بأن الجيش الحر ومن معه من الشعب السوري لا يحارب جيش نظام المجرم بشار الأسد فحسب، بل هناك تدخل خارجي إلى جانبه موجود ومقرر بالأدلة منذ اندلاع الأزمة السورية، خاصة فيما مثله تدخل حزب الله، فلماذا يرفض النظام السوري التدخل الخارجي الداعم للجيش الحر وهو يستعين بحلفائه لمواجهة الجيش السوري الحر؟.
وحقيقة الأمر، فإن المشهد السوري كمسرح للمحاصصات بين القوى العظمى قد بات مرشحاً لمزيد من الاحتدام وتوسيع دائرة نطاق الصراع، ولا أجد في المستقبل القريب انفراجاً لهذه الأزمة إلا من خلال تدخل عسكري يحسم الأمور ولكن بصورة قد تنذر باندلاع حرب تتجاوز الحدود السورية إلى الدول المجاورة، وشرارة الحرب إذا انطلقت فإن من الصعب إطفاؤها والحيلولة دون اشتعال النار المحرقة التي ستجني الإنسانية ويلاتها، فنتطلع في الأيام القادمات أن يتحقق الخير للمنطقة بعيداً عن آلة الحرب المدمرة للشعوب.
زبدة القول
نتطلع أن ترتفع سوريا عن أن تكون أرضاً تجري عليها المحاصصات بين الدول العظمى، ويبقى الضحية في خضم ذلك الشعب السوري المشرد الذي يتعرض للقصف بالنار ليل نهار، ونتمنى أن ينتهي الصراع في بلاد الشام بعيداً عن أي صراع دام ومتصاعد من شأنه أن يحصد مزيداً من الأرواح الطاهرة في بلاد الشام، ونسأل المولى عز وجل في ذلك السلامة.