لما كان الاتحاد الخليجي الذي دعا إليه خادم الحرمين الشرفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود عاهل المملكة العربية السعودية قبل قرابة العامين حلم راود ومازال يراود كل إنسان خليجي عاش على تراب هذه البلدان التي جمعها التعاون منذ أكثر من ثلاثة عقود، فإن التأخر في إعلانه لأسباب غير معروفة قد بات مسألة محيرة للكثير من شعوب الخليج العربي، لاسيما أن صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ولي عهد المملكة العربية السعودية قد أعلن في القمة الخليجية الأخيرة التي عقدت في مملكة البحرين بأن المملكة العربية السعودية قد صاغت مسودته على غرار ما انتهت إليه اللجنة الخليجية المشتركة التي شكلت من عضوية مختلف دول المجلس؛ ليصبح هذا الاتحاد بمثابة الواقع الذي طال انتظاره ولا نعلم إلى متى سنظل نترقب إعلانه وتدشينه.
وحقيقة الأمر، فإن الاتحاد الخليجي قد بات في ظل التحديات الإقليمية المتصاعدة ضرورة ملحة تستلزمها تداعيات الأمور هنا وهناك، ولئن كان هذا الاتحاد مازال متأخراً في التحقق على أرض الواقع، فإن تأخيره أكثر من ذلك قد بات يمثل خطورة على شعوب المنطقة، ونتطلع أن يكون هذا التأخير من قبيل أن كل تأخيرة فيها خيرة؛ ليتحقق بعد ذلك تدشين اتحاد خليجي متماسك وقادر بمعطياته على مواجهة التحديات القادمة على المنطقة في المستقبل القريب والبعيد.
ولئن كان القادة في دول المجلس مازالوا يتدارسون الصيغة التي ستعتمد لتشدين هذا الاتحاد في المستقبل القريب بحول المولى عز وجل وقوته، فإن تدشين اتحاد شعبي بين مختلف النخب في المجتمع الخليجي يمكن أن يشكل أرضية صلبة لتدشين اتحاد سياسي متماسك وقادر على الانخراط بصورة مؤثرة مع حراك المجتمع الدولي، وباتت حاجة ملحة وضرورة تستلزمها الاستجابة للتحديات وفي خضم المتغيرات التي مازالت تتوالى على المنطقة.
وإذا كان ثمة العديد من النطاقات التي تحقق من خلالها التعاون العسكري والأمني والاقتصادي والإعلامي والثقافي بين دول الخليج العربي بحكم القواسم المشتركة التي تجمعها خلال العقود المنصرمة، فإن ترقية هذا التعاون ليكون في صورة اتحاد معلن من شأنه أن يزيد من حالة الانسجام بين دول المجلس، وحتى لو كانت بعض الدول مازالت غير مستعدة للانضمام إلى الصيغة المعتمدة لاتحاد دول المجلس التي صيغت مسودتها، فإنه لا يوجد ما يمنع من انضمام الدول الموافقة على هذه الصيغة مع بقاء الأخرى التي مازالت مستعدة ضمن صيغة التعاون حتى تعلن رغبتها في التوجه للانضمام إلى هذا الاتحاد، وذلك على غرار ما حصل في الاتحاد الأوروبي الذي مازالت الدول تتوالى في الانضمام إليه وفق اشتراطات واعتبارات اتفقت عليها دول الاتحاد الأوروبي كشروط للانضمام والعضوية.
لقد كان من المؤمل أن تنعقد قمة استثنائية في شهر يونيو من هذا العام لتدشين هذا الاتحاد، ونحن اليوم في شهر أغسطس ولم تعقد بعد هذه القمة، فلعل المانع خير، ولعل في تأخير تدشين هذا الاتحاد تحسيناً لمعطيات هذا الاتحاد الذي تترقبه الشعوب الخليجية ويتأملونه في القريب العاجل، وسنظل نكتب عن هذا الاتحاد حتى نراه واقعاً في حياتنا، لاسيما أن قواسمنا المشتركة ووجود تعاون ممتد بين دول المجلس على امتداد أكثر من ثلاثة عقود يمثل أرضية صلبة لتدشين هذا الاتحاد المرتقب.
زبدة القول
سنبقى نتطلع في القريب العاجل للاحتفال بتدشين هذا الاتحاد الخليجي الذي نتطلع ألا يكون ذلك الواقع الذي طال انتظاره، ونترقب في الأيام القادمات أن يرى هذا الاتحاد النور ولو من قبل بعض دول المجلس، والأهم من ذلك أن يكون لهذا الاتحاد تأثيره على الساحة الإقليمية والعالمية، وأن يكون لهذا الاتحاد ما فيه تحقيق مزيد من المكاسب والاستحقاقات لشعوب الخليج، فنسأل المولى عز وجل أن يعجل به واقعاً في حياتنا ومنيراً لمستقبلنا الزاهر... اللهم آمين.