كثير أولئك الذين تابعوا حدوث سقوط أول رئيس عربي اعتلى كرسي الحكم بعد الثورات العربية التي اندلعت في العام 2011م، وذلك ما بين مؤيد لذلك، وما بين رافض، وما بين من لا يهتم لا بالرفض ولا بالتأييد، وقد كان من يؤيد ذلك يقرر وجود سوء في الإدارة للدولة على مدى عام كامل، أما الرافض لذلك ممن صنف ما حصل على أنه انقلاب عسكري، فقد رأى فيه انقلاباً على الشرعية الدستورية، وصنفه على أنه حرب ضد الإسلام والمسلمين، بل وكان ممن مثل هذا الطرف من رأى ضرورة إعلان الجهاد ضد من قام بهذا العمل البشع وفق تصنيفه، وضمن هذا النطاق فإن من الأهمية بمكان الإجابة على سؤالين مفادهما.. ما هي حقيقة المشهد الذي كانت نهايته سقوط مرسي من على الكرسي؟، وما هو السيناريو المتوقع لمستقبل مصر في ظل احتدام الصراع بين المؤيد لما حصل والرافض له شكلاً وموضوعاً؟.
وإذا كان الإخوان المسلمون منذ توليهم لمقاليد الحكم قد تصرفوا بجزافية واستعجال، وكان ترشيحهم لمرسي كشخصية إخوانية لتولي مقاليد الحكم أمرا قد جانبه الصواب، إضافة إلى استحواذهم على العديد من السلطات في الدولة، فالرئيس منهم، والسلطة التشريعية يمثل أغلبيتها من ينتمي لهم، وكانوا يسعون إلى أخونة السلطة القضائية كذلك، حيث يمثل جميع ذلك استفراداً بالحكم لا يصح أن يكون ثمرة لثورة 20 يناير، فضلاً عن استعدائهم للقاصي والداني، فإنه في المقابل ما حصل من السيسي ومن عاونه على فعله لا يعد البتة حلاً لتجاوز مصر لمحنتها، وكان الأجدر بدلاً من عزل مرسي عن السلطة وإدخال البلد في نفق مظلم، أن يجري الضغط على الرئيس للاستفتاء على مدى رغبة الشعب في إجراء انتخابات مبكرة من عدمه؛ ومتى ما كانت الغالبية العظمى ترغب في ذلك، فإنه يترشح للرئاسة من شاء، مع عدم منع أي طرف من الترشح بما فيها حزب الحرية والعدالة، إلا أن مصر قد نحت بعدما قام به السيسي نحو مستقبل مجهول لا تعرف نهايته ولا يعرف مصيره.
إن المشهد في مصر مرشح للتصعيد والتصادم، ومادام القائد العام للقوات المسلحة قد سن سنة سيئة، فإن المتوقع أن يبقى التصادم مستمراً إلى ما لا نهاية، فقد تجر البلد إلى مصير مجهول تتصاعد فيه وتيرة العنف بشكل أكبر مما هي عليه الآن.
نعم هناك أخطاء كثيرة وقع فيها الإخوان على رأسها سياسة الاستعداء مع العديد من الأطراف المؤثرة على الساحة، كما كانت لهم تخبطات كثيرة في بناء منظومة التغيير وفق قناعاتهم للعديد من الميادين، ومن ذلك تعيين وزير الثقافة ومحافظ الأقصر، ولكن لا يمكن أن يعالج الخطأ بخطأ مثله، وإذا كانت مصر في عهد الإخوان تمشي برجلين متعبتين فإنها اليوم أصبحت تعرج في مشهد يرشح بلوغها إلى عدم القدرة على المشي بعد ما حصل في مشهدها الأخير، ليبقى التساؤل المثار بعد ذلك... ما هو الحل لخروج مصر من أزمتها الراهنة؟.
هناك من يرى الحل في إعادة مرسي لتولي مقاليد الحكم من جديد والدعوة إلى انتخابات مبكرة، وهناك من يرى في الاستمرار في خارطة الطريق ودمج الإخوان في هذه الخارطة والتحاور معهم كقوة لها وزنها على الساحة، وهناك من يرى إجراء استفتاء للمضي قدماً في أية خطوة من الخطوات ليحدد الشعب عبر صناديق الاقتراع خارطة الطريق التي يمكن من خلالها انتشال مصر مما هي فيه.
زبدة القول
حلول كثيرة لحل الأزمة في مصر لا يمكن اعتمادها إلا من خلال تنازل تقدمه مختلف الأطراف المعنية بالعملية السياسية، ووضع مازال محتدماً ومرشحا للتصعيد ما بين الفينة والأخرى، وما نرجوه في خضم ذلك أن يترفع أهل مصر ومثقفوها عن مثل هذه الترهات، وألا يجروا البلد إلى ما لا تحمد عقباه، وأن يتعقلوا ليرسموا توافقاً حول بناء مستقبل مصر المحروسة، وحفظ المولى تعالى مصر من كل مكروه.