العدد 1726
السبت 06 يوليو 2013
كما تكونوا يولّ عليكم أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
السبت 06 يوليو 2013

 

يمثل عنوان المقال حديثاً نبوياً شريفاً يعد من جوامع الكلم التي نطق بها المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وتبين عباراته دلالات يغفل عنها كثير من الناس، لاسيما في ظل ما يندلع هنا وهناك من ثورات ومسيرات على الحكام العرب، حيث مازالت تداعيات الربيع العربي مستمرة، ومازال المستقبل والمشهد المرتقب غامضا لا وضوح فيه.

أما بيان دلالة الحديث فإنه يقرر معنى يمثل انعكاس حال صلاح المحكومين على الحاكم، وهو ما يعني أن انصلاح حال الشعب ينعكس بالضرورة على انصلاح الحاكم، وان ذلك يستلزم بالضرورة بناء منظومة الإصلاح في المجتمع بصورة لا تقترن بوسيلة الإفساد، لاسيما أن حال الثورات العربية ترتبط في الجملة والتفصيل في الرغبة في تغيير الحاكم الفاسد بحاكم صالح، ولكن كيف يكون بعد ذلك تغيير الشعب الفاسد بشعب صالح غيره؟.

ثم إن توجيه المصطفى عليه الصلاة والسلام هذه الدلالة في السياسة الشرعية لأمته تقرر حقيقة تستلزم منهم ضرورة الاعتناء في المقام الأول بصلاح الذات وبصلاح الأسرة ومن ثم صلاح المجتمع، وإذا كان ذلك قد يخالفه ما ورد عن سيدنا عثمان بن عفان: (إن الله يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن)، فإن هذه المخالفة غير حقيقية، حيث إن دلالة هذا الحديث ترتبط مع دلالة هذه المقولة ليكمل كل منهما الآخر، فأما الحديث فيقرر ضرورة تحقيق الإصلاح في المجتمع لينصلح بعد ذلك الحاكم، وأما المقولة فتقرر تأثير صلاح الحاكم في انصلاح الشعب، فصلاح هؤلاء ينعكس على ذاك، وصلاح ذاك ينعكس على هؤلاء، ليبقى التساؤل المثار بعد ذلك... ما مكمن الاستفادة من هذا الحديث النبوي الشريف في خضم تصاعد وتيرة الثورات العربية هنا وهناك؟.

وحقيقة الأمر فإنه إذا كان الشعب يشتكي من حاكم سارق أو فاسد أو غيره، ويبتغي من أجل ذلك عزله وإنهاء حكمه، فإن الحاكم – وفق دلالة هذا الحديث – لا يمكن أن يمارس ذلك في مجتمع تخلو منه السرقات، وإلا فإنه لو خرج من رحم شعب لا يسرق لما سرق، ولو خرج من رحم شعب لا يفسد لما أفسد، إلا أن هذا الربط لا يتقرر بالضرورة في جميع الأحوال، فقد يتخلف ولكل قاعدة شواذ.

ثم إن قيام الدعاة والعلماء بالإصلاح للشعوب ينبغي أن يمثل منهجية جادة لدى الجماعات الإسلامية التي كانت ومازالت تتصارع وتتدافع لصناعة هذا الدور المحوري للتغيير، فالحاكم لن يمنعك من أن تدعو إلى دين الله تعالى، ولا يمنعك من أن تدعو الناس إلى ترك الذهاب إلى الأماكن الساقطة التي فيها الفسق والفجور، وبالتالي فإنه لو كانت دعوتك جادة وممنهجة لما تجرأ هذا الحاكم على بيع الخمور والسماح بذلك لأنه لن يجد من يشتريها أو يشجع على شرائها، ولو وجد أن هناك من لا يشتريها فإنها ستكون لا محالة تجارة خاسرة ولا يمكن أن تقوم لها قائمة.

ومن أجل ذلك فإن مشروع الدعوة إلى دين المولى عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة ينبغي أن يمثل استراتيجية جادة في سبيل تحقيق استنارة الشعوب بدين المولى عز وجل، وحقيقة الأمر فإن الجهد في ذلك جد متواضع وغير مقبول ولا يمكن أن يؤدي الغرض، وقد نسى المطالبون بتغيير الحكام أو تناسوا أن التغيير ينبغي أن يكون بالتدريج، وأن صلاح الحكام يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بصلاح الشعب، وانه من المتعذر أن تكون طرق التغيير وبناء نهضة المجتمع مرتبطة في الجملة والتفصيل بتغيير الحكام أو تابعيهم، وان هناك آليات ومنهجيات كثيرة يمكن من خلالها إحداث ذلك التغيير المنشود من خلال قيام الكل بتقدير مسؤولياته الملقاة على عاتقه، والهداية والغواية بتقدير رب الأرباب ومسبب الأسباب، فلنفهم كيف تتكون منظومة التغيير لتحقيق الغرض المنشود في إصلاح المجتمع وهدايته ورشاده.

 

زبدة القول

تمثل آلية التغيير التي تنشدها الشعوب حقيقة غير مفهومة؛ وذلك لأن الناس تفهم أنه لا طريق إلى ذلك إلا تغيير الحاكم الموجود لاختيار حاكم صالح يتغير معه بعد ذلك نهج المجتمع، وهو اختزال غير سليم، فهناك قنوات أخرى للصلاح والإصلاح في المجتمع تبدأ بالذات وبمن تعول ولغيرهم، إلا أن ذلك مرتبط بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ومن شاء فليهتدي ومن شاء فليبق على حاله.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .