العدد 1721
الإثنين 01 يوليو 2013
تحصيل الحرية واختلال الأمن أحمد مبارك سالم
أحمد مبارك سالم
وقفات
الإثنين 01 يوليو 2013

في خضم ما نجم ومازال ينجم عن الثورات العربية التي اندلعت في العام 2011م في عدد من الدول العربية، حيث مازال الاقتتال محتدماً في بلاد الشام، ومازال الأمن مختلاً في ليبيا وفي مصر واليمن وتونس، فإن ذلك يبقى مدعاة للتساؤل، لاسيما أن من قاد هذه الثورات قد تمثل طلبه بتحصيل الحرية التي يدّعي فقدها، وهو في مقابل ذلك على استعداد لفقد مختلف النعم التي امتن بها المولى تعالى عليه، والتي تأتي على رأسها نعمة الأمن والأمان.
إن المتابع للمشهد ضمن نطاق مختلف البلدان التي يمكن تصنيف ما انطلق على أراضيها على أنه ثورة للشعب ضد السلطة يرى أنه ليس ثمة مكتسبات حقيقية قد حققتها هذه الشعوب على حساب ثوراتها التي قامت بها، وذلك بعد مرور أكثر من عامين على اندلاع هذه الثورات، حيث مازال مصير هذه البلدان مجهولاً، خاصة على الساحة المصرية التي تندلع فيها خلال هذه الأيام صراعات بين مؤيدي الرئيس مرسي ومعارضيه، وذلك ما بين مطالب بأن يمنح الرئيس فرصة لإثبات نفسه، وما بين غير مقتنع بأدائه طيلة السنة الماضية التي حكم خلالها مصر، إلا أن حقيقة الصراع في ذلك – وإن كان هناك اختلاف في صراع المضمون – يبقى في تمثل هذا الصراع ما بين دعاة التدين وأسلمة الدولة من جانب، وما بين دعاة علمنة الدولة والدعوة إلى ليبراليتها في الجانب المقابل، فإلى أين سيستمر المشهد في ظل تصاعد الموقف بهذه الصورة؟.
وحقيقة الأمر فإن هذه الصورة تمثلها ضريبة تحصيل الحرية التي يدعي بها الثائرون في هذه البلدان تدعمهم دول تنعدم فيها الحرية، فقد اختل الأمن وتأثر الاقتصاد بصورة كبيرة في تلك البلاد التي ثارت فيها الشعوب على القادة، وذلك بما جعل إعادة الحال إلى ما كان عليه فضلاً عن تحقيق أهداف الثورة المتمثلة بتحقيق العيش الرغيد للطبقات الفقيرة أمراً صعب المنال ويحتاج إلى عقود، حيث يتوقف تحقيق ذلك على تدشين بداية صحيحة نحو البناء والتنمية والنهضة، وهو ما لم يتحقق في أي من البلدان التي حصلت فيها الثورات حتى الآن.
ويبقى التساؤل الذي يمكن إثارته بخصوص ذلك... هل أضحي بنعمة الأمن ولو كان ذلك على حساب تحصيل الحرية؟، ثم ما هي هذه الحرية التي يتحدثون عنها ؟، هل هي وهمٌ أم لها وجود محسوس يمكن أن ندركه في واقعنا المعاش؟.
وفي ظل حالة الصراع السائدة وفي ظل انقسام الشعوب في مختلف هذه الأوطان، فإنه لا يمكن أبداً تحقيق البداية لأية نهضة، لا سيما في ظل قيام الفريق المنتصر عندما يتقلد الحكم بمحاربة أي وجود للفريق المقابل، وعدم السماح له بأي نطاق اشتراك في مقدرات الدولة، ليبقى الخيار أمام هذا الأخير متمثلاً بعدم ترك هذا الطرف ليعيد ترتيب الأوراق، ولتنعكس بعد ذلك حالة من الصراع المتأجج والمتصاعد، ولتكون الضحية بعد ذلك هي الطبقات الفقيرة التي زاد فقرها فقراً بعد قيام هذه الثورات، ولتستمر جراحات الوطن في النزيف بصورة صعبت معها المعالجة بالدواء، فإلى أين نسير بهذه الأوطان ونحن مازلنا في حالة من الانقسام والصراع المستمر إلى مالا نهاية؟، ولعل ما يحصل اليوم في مصر خير شاهد على ذلك، فقد وصل إلى تولي مقاليد الحكم رجل ينتمي إلى التيارات الإسلامية، وبعد مرور عام على توليه الحكم ها هي المظاهرات تطالبه بالرحيل لعدم اقتناعها بأدائه طيلة عام منصرم، والمشهد المتوقع بعد ذلك أنه إذا لم يرحل فإن الصراع سيبقى مستمراً، وإذا رحل وأعيدت الانتخابات وفاز أحد من الطرف المقابل فإنه بعد انصرام عام على توليه سيقود الطرف المقابل مظاهرات ضده لعدم اقتناعها بأدائه طيلة العام، وهكذا سيستمر المشهد الذي لن يجر البلاد إلا إلى دمار وخسران؛ لتستمر جراحات الوطن الذي لن يجد له من يداويه، وذلك في ظل البحث عن حرية موهومة مقابل اختلال نعمة الأمن التي تعتبر من أعظم نعم المولى جل في علاه، وحفظ المولى عز وجل البلاد والعباد من كل مكروه.
زبدة القول
لا يمكن أن تتحقق التضحية بالأمن مقابل البحث عن تحصيل شيء موهوم، والعمل في سبيل تحصيل البناء على هدم الكثير من المعطيات السائدة التي بالإمكان البناء عليها، وذلك بدلاً من الدخول في دوامة من العنف المرير الذي لا يمكن أن نترقب من خلاله إلا دماراً وخسراناً للأوطان والشعوب.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية