من الأمور اللافتة في بيان قمة مجلس التعاون الخليجي الرابعة والثلاثين التي أنهت أعمالها أمس في دولة الكويت الشقيقة إقرار القمة إنشاء “قيادة عسكرية موحدة” لدول المجلس، وذلك بالرغم من بعض الخلافات بين الدول الأعضاء حول مشروع إقامة اتحاد بين دول المجلس.
وفسر البيان أسباب هذه الخطوة بأنها “استكمال للخطوات والجهود الهادفة لتعزيز أمن واستقرار دول المجلس، وبناء منظومة دفاعية مشتركة لتحقيق الأمن الجماعي”. كما “كلف مجلس الدفاع المشترك باتخاذ ما يلزم من إجراءات للبدء في تفعيلها وفق الدراسات الخاصة بذلك”. ويمكن النظر إلى هذه الخطوة أيضًا على أنها تمهيد للانتقال للاتحاد الخليجي عبر مزيد من الإقناع لدول المجلس وخصوصا تلك التي مازالت تمتلك هواجس ومخاوف من الانتقال لمرحلة الاتحاد سواء كان ذلك بسبب عدم رغبتها في خسارة تحالفات قائمة حاليًا أو تشككها في جدوى الانتقال لتلك المرحلة التي باتت تمثل مشروعًا قوميًا على الصعيد الشعبي على أقل تقدير.
أما الجديد الآخر المهم في بيان قمة الكويت، فكان ترحيب قادة دول المجلس بالتوجهات الجديدة للقيادة الإيرانية تجاه دول المجلس، ودعوتهم إلى تنفيذ دقيق للاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى، وترحيب مجلس التعاون بالاتفاق التمهيدي الذي وقعته مجموعة “5+1” مع إيران باعتباره خطوة أولية نحو اتفاق شامل ودائم بشأن البرنامج النووي الإيراني ينهي القلق الدولي والإقليمي.
إن هذا الترحيب الذي يبدو غير متوقع لكثير من المراقبين والمحللين يعبر عن نظرة استباقية وقراءة دقيقة من قادة دول مجلس التعاون الخليجي لأكثر من جهة، فهو أولاً يتعامل مع معطيات ووقائع قد حدثت بالفعل على أرض الواقع وليس بإمكان هذه الدول منعها لاعتبارات كثيرة، كما أن هذا الترحيب ثانيًا يحمل في ثناياه تشككا في التزام إيران بالاتفاق النووي الذي توصلت إليه مع الدول الكبرى وذلك انطلاقًا من خبرة هذه الدول في تعاملها مع الجارة الإيرانية التي لا تحترم تعهدات أو تلتزم باتفاقيات.
وظهرت مؤشرات عدم التزام طهران مبكرًا عندما رفضت إيران الثلاثاء اقتراحاً سعوديًا بمشاركة الدول العربية الخليجية في المفاوضات النووية مع القوى العظمى. كما أن الترحيب الخليجي ثالثًا هو بمثابة إعلان حسن نوايا خليجية سواء تجاه هذا الجار الإيراني أو تجاه أميركا التي هبت مؤخرًا لطمأنة دول الخليج بعد إبرام الاتفاق النووي، فها هي دول مجلس التعاون الخليجي تتجاوب مع الظروف الجديدة وتتعامل مع الوقائع المستجدة بحسن نية ورغبة في الأمن والاستقرار، فماذا لو استمر الحال على ما هو عليه؟ ومن المسؤول عن ترويض هذا الجار المشاغب؟.
والقبول الخليجي بالاتفاق النووي الإيراني أخيرًا من شأنه أن يضع الدول الخليجية الرافضة حاليا للاتحاد الخليجي والراغبة في التعاون مع الجار الإيراني على المحك الفعلي، ويفرض عليها ضرورة التجاوب مع الأشقاء وما يطرحونه من مبادرات وخيارات للتعامل مع الواقع بتحدياته وصعوباته.
خلاصة القول، إن قمة الكويت استطاعت “إبراء ذمة” قادة دول مجلس التعاون الخليجي في حال وقوع أية مفاجآت وتداعيات سلبية محتملة نتيجة ما شهدت المنطقة من تفاعلات واتفاقيات، كما وضعت أطرافا كثيرة أمام مسؤولياتها، سواء كانت بعض دول المجلس أو إيران أو أميركا، خصوصا إذا فشل الاتفاق النووي مع طهران في خلق أجواء إيجابية في المنطقة.
البلاد