العدد 2101
الأربعاء 16 يوليو 2014
الحركة الشعوبية من ماضيها إلى حاضرها (8) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الأربعاء 16 يوليو 2014

دانت إيران بالمذهب السني ألف سنة قبل أن يحكمها الصفويون العام 1501م، لكن النزعة الشعوبية ظلت تراثا متحكما فيهم تتوارثه أجيالهم. والصفويون خير مثال كانوا أسرة فارسية سنية شافعية، تتزعم طريقة صوفية، ثم تحولت إلى حركة سياسية حكمت إيران قرنين ونصف، غلبت على الصفويين شعوبيتهم وليتميزوا عن جيرانهم المسلمين السنة من العرب والعثمانيين، ويقارعوهم بندية، محافظين على التراث الفارسي المجوسي لبسوا رداء التشيع وادعوا النسب العلوي، وحملوا الآخرين قسرا بحد السيف على اتباع مذهبهم. انتهج الصفويون التشيع الديني بغية ترسيخ الهوية الفارسية في قلوب الناس وإضفاء الشرعية على عناصر شعوبيتهم فحملوها طابعا إسلاميا وربطوها ببيت النبوة، فألقوا عليها نزعة روحية ومسحة قداسة عبر الاهتمام شكلا بشخصية الإمام علي والسبطين الشهيدين الحسن والحسين وذريتهم، فمنحوا الأفضلية للعرق والدم خصوصا بعد أن ابتدعوا أسطورة اقتران الحسين بابنة كسرى ولمن يشاء المزيد يرجع إلى كتابات السيد صباح الموسوي الكاتب العراقي الشيعي العربي المنصف المعتدل، وقد أفدنا من كتاباته كثيرا.
 نفذ الصفويون أخطر ما كانت تطمح إليه الشعوبية الفارسية، حرفت ودلست على الإسلام ما شاء لها، ودأبت على شتم الخلفاء والصحابة بحجة الثأر لأهل البيت، وأمروا الكتاب والوعاظ باختلاق الروايات والأساطير فملئوا الكتب بالسباب وشتم العرب ومن أبرز كتبهم، بحار الأنوار لمحمد باقر المجلسي بمئة وعشرين مجلدا، وكتاب مفاتيح الجنان لعباس القمي. حشيت بأخس جمل الاحتقار للعرب وروايات وقصص الشعوبيين، وقد كشف ضغينتهم وطويتهم الشعوبية شاعرهم جعفر الرودكي حيث يقول: إن هذا الصراع والعداوة، ليس دفاعا عن حق علي في الخلافة, لكنها البغضاء والعداوة لعمر، الذي كسر ظهر العجم وهد حضارتهم،
تعسف الصفويون بفرض التشيع فقتلوا نحو مليون سنّي في إيران حتى هاجر كثير منهم إلى البلاد المجاورة هربا بدينه، وعوضا عن نشر الإسلام شرقا وشمالا خاضوا حروبا طاحنة مع المسلمين العثمانيين؛ لأنهم سنة، وغزوا العراق واحتلوا بغداد العام 914هـ وقتلوا مئات الآلاف، وإمعانا في مهانة العرب وأمجادهم ولى عليها إسماعيل خادمه ولقبه بالخليفة. واعترف مؤرخهم وفقيههم الصفوي بدر الدين شدقم في “تحفة الأزهار وزلال الأنهار” بدمويتهم بالقول: “فتح الشاه إسماعيل بغداد وفعل بأهلها النواصب ذوي العناد ما لم يسمع بمثله قط في سائر الدهور بأشد أنواع العذاب حتى نبش موتاهم من القبور” وأدخل في الأذان “أشهد أن علياً ولي الله”.
فاقت جرائم الصفويين الطائفية الدموية الحدود في بلادهم وخارجها، منحوا البغداديين السنة الأمان ثم نكثوا وغدروا، سفكوا الدماء، وانتهكوا الأعراض، واستباحوا الحرمات، وهدموا المساجد والمراقد، واستخدموا المدارس اصطبلات لخيولهم. واقتادوا النساء والأطفال إلى بلادهم وضاعت أخبارهم. وفضل الناس الموت على الحياة حتى إذا زحف العثمانيون وقفوا معهم وساندوهم فأخرجوا الصفويين من العراق بعد عشر سنوات عجاف، فدولة ظالمة مكتوب لها ألا يبقي التاريخ لها غير مساوئها.
 ومن المفكرين الإيرانيين الإسلاميين المحدثين علي محمد تقي شريعتي 1933-1977م، شيعي معتدل منصف، اشتهر بأنه ملهم الثورة الإسلامية في إيران، تخرج في كلية الآداب، وأكمل دراسته في فرنسا وحصل على الدكتوراه بتاريخ الإسلام وعلم الأديان، اعتقل مرات وأفرج عنه تحت ضغط الرأي العام العالمي، وبعد أشهر وجد مقتولا في شقته بلندن قبل نجاح الثورة الإسلامية بعامين. وهو من ذهب صراحة إلا أن الحركة الشعوبية تحولت تدريجيا من حركة تسوية إلى حركة تفضيل العجم على العرب، وعملت عبر ترويج المشاعر القومية وإشاعة اليأس من الإسلام إلى ضرب سلطة الخلافة.
ووصف شريعتي المنطق الصفوي بالسباب والشتم واللعن. “بتشيع الجهل والفرقة والبدعة، وتشيع المدح والثناء للسلطات، وتشيع الجمود والركود بتأدية طقوس في العبادة دخيلة على التشيع الأصيل، وأن هذا التشيع يُعطل مسؤوليات المسلم”، ويذهب إلى أن رموز التشيع في إيران ومظاهره مسيحية، أدخلها الصفويون، وأن الشعوبية الصفوية كلما أرادت كيل الشتائم والسباب للعرب لجأت إلى اتخاذ الدين والمذهب غطاء لنفث سمومها حتى قالوا: إن الله حذر العرب وأنذرهم فلم يستجيبوا فغضب عليهم وأبادهم وهم المقصودون بالعرب البائدة. ورغم تراجع المد الشعوبي في العصر الحديث، عاود الظهور عبر إيران؛ ليأخذ نشاطهم نواح عديدة، هدفها إعاقة التضامن العربي وزعزعة استقرار المنطقة لصالح الكيان الصهيوني، والارتداد بالتاريخ إلى ما قبل الإسلام. والشواهد تأتي.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية