لست أدري ما الذي يدفع بعض مثقفينا إلى بخس شعوبنا العربية حقها، فهم يتهمونها بأنها شعوب متخاذلة، شعوب تستسيغ الظلم والعبودية، وتستسلم للطغاة والدكتاتورية، شعوب تسكت على الضيم وعيش الكفاف وترتضي المذلة، وتخنع للاستبداد والجبروت وتساق بالعصا وهو ما كنا نسمعه دائما، حينما نتحدث عن حرية التعبير وحقوق الأفراد والجماعات، وحين ضاقت بهذا الشعوب الذرائع والسبل وانفجرت كالبركان تتدفق سيول عارمة، صبيان وصبايا ونساء ورجال شباب بعمر الزهور وشيوخ أناخ الزمن ظهورهم خرجوا بحشود لا يعرف أحدهم الآخر، ولا يعرف من أين أتوا وكيف تجمعوا وما الذي دفعهم إلى النزول الكثيف دفعة واحدة إلى الشوارع ملبين نداء الثورة “يا أهلينا انضموا لينا” وامتلأت بهم الساحات والميادين، لم يكن بينهم خطيب مفوه ولا سياسي مخضرم ولا تنظيم حزبي معارض، ولا منظمات، لم تكن لديهم لافتة قماش مخطوطة ولا منشور سري يوزع، ولا فضائية أو إذاعة مسموعة، غير هتاف حناجرهم، ولا سلاح غير قبضات أياديهم، وليس لهم مطلب غير الحرية والكرامة، حتى إذا أسقطوا رموز الفاشية والتحكم عاد بعض المتحذلقين يسمعنا بأنهم مدفوعون ومأجورون انساقوا بلا تفكير ولا تروي وراء الفوضى وأدخلوا البلاد في دوامة العنف والخراب! ياسبحان الله.
شعوب هبت بكل أطيافها وكل طبقاتها وفئاتها، خرجت فأسقطت طواغيت، وهوت بعروش ما ظُن يوما أنها تكتسح، وخُلعت رموز ظلت تقدس عقودا ورُمي بها في مكبات القمامة، فكيف هان على البعض أن يبخس هذه الشعوب وثبتها وانتفاضتها على الظلم والفساد، زاحفة من قطر عربي إلى آخر لا يلويها سد ولا يوقفها مد، ولا ترضى بغير ما تريد من التغيير، شعوب قدمت ضحايا على مذبح الحرية، وفدت أوطانها، ووفت بنذورها بكل شجاعة وإباء، ماذا جنت لتطعن في نواياها ومصداقيتها، هي ثارت وأدت ما عليها بفطرة سليمة، ودفعت الثمن باهظا برحابة صدر، أعطت وقدمت وبذلت كل ما لديها وما تستطيع، كيف تطعن بصدقيتها وعفويتها وهي التي جادت بالغالي والنفيس، ووفت وكفت، جموع البسطاء أنجزت بعفويتها ما عجز اللبراليون والاشتراكيون والإسلاميون، اليمينيون التقليديون واليساريون الثوريون، العسكريون المنظرون والقادة والحزبيون والمثقفون والصحفيون عن إنجازه بعقود، أنجزوه في تونس وفي مصر بأيام، وشاءت الأقدار أن تستعصي عليهم قليلا في ليبيا واليمن وتكبدهم الأحداث خسائر لم تكن في حساباتهم، وربما خُذلوا في سوريا لأسباب خارجة عن إرادتهم وفوق طاقتهم خططت لها دول عظمى ونفذتها أخرى.
الشعوب ثارت وأدت ما عليها وحققت إنجازات عظيمة لكن النخب والقيادات العسكرية والأمنية والاقتصادية والإدارية والمهنية والدينية والإصلاحية والسياسية الحزبية منها والمستقلة، هم الذين كان عليهم قيادة المرحلة التالية من التغيير بشجاعة، والعبور بمرحلة ما بعد الثورة إلى بر الأمان وأداء دورها وواجباتها بأمانة، لكنها أخفقت وتخاذلت وجانبها الصواب فكان ما كان، الشعوب قدمت وبرهنت انها مستعدة للتضحية أكثر من النخب، الشعوب كانت أكثر إخلاصا لله وللوطن وللأمة وأكثر وعيا بمسؤولياتها، وأشد تمسكا بالثوابت من القيادات، هذه القيادات التي ركبت الموجة الشعبية بحكم ما لديها من القدرات والارتباطات التنظيمية وانحرفت بالثورة عن مسارها الصحيح، فمن عدم الإنصاف التنكر لما أنجزته الشعوب، إذا خذلت النخب السياسية شعوبها وخيبت أمالهم، فثورة الربيع العربي اكبر من أن تطعن أو ترمى بخيانة وأشرف من أن ينال منها المرجفون.
ثورة الربيع العربي أعظم بكل المقاييس من الثورة الفرنسية التي نتمسك بتدريس تاريخها لأبنائنا، الربيع العربي أطاح برموز عتيدة أقسى وأكثر إجراما مما أطاحت به الثورة الفرنسية من رموز، وحطم الربيع العربي قلاعا وسجونا أعتى من سجن الباستيل، لكننا نبخس شأن إنجازاتنا، وما تلا الثورة الفرنسية من هياج وسلب ونهب وسفك دماء يوازي أضعاف ما وقع في الربيع العربي الذي ما زالت معاناة مخاضه قائمة ويبشر بولادات واعدة ولكن المتفيهقون يستعجلون أمر الله وهو قريب بإذنه.
الشعوب ولادة، الشعوب لا تذوب ولا تموت وتبقى حية وأن طال أمد سباتها لحكمة أنها حين تثور لا تخطئ بحكم أنها ثورة الجموع التي لا تكسر إرادتها، الجموع لا تخطئ في نصرة الحق لأن الله مع الجماعة دائما، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة ينشط.