أذكر في عام 1972 عاد أخي وأسرته من أميركا بعد أن أنهى دراسة الدكتوراه، وخرجنا نتجول في العاصمة بسيارته، هو وزوجته وأنا وزوجتي ومعنا الوالدة رحمها الله وثلاثة أطفال، ثمانية أشخاص والسيارة مرخص لها مروريا بخمسة أشخاص، فكنا كلما اقتربنا من دوار يقف عنده شرطي مرور نقول لابنه البالغ سبع سنوات: “اخفض رأسك لا يراك شرطي المرور” خشية الغرامة، وتكررت العبارة عدة مرات، لم يحتمل الطفل وانفجر غاضبا، لماذا تخافون شرطي المرور؟ هو إنسان نبيل وطيب، نشعر معه بالأمان، ودائما نجده أمام المدرسة يساعدنا في عبور الشارع، ويدخل إلى المدرسة فنأخذ معه الصور ويعطينا غطاء رأسه وصفارته ويعلمنا الإشارات المرورية، هو صديق لنا وليس عدوا، وتساءل هل يختلف شرطي المرور في أميركا عنه هنا؟ فأعطانا الطفل درسا في التعامل مع الطريق ورجال المرور بود واحترام يربى عليها النشء، وثقافة يحرص على تعلمها الأبناء منذ الصغر، لتبقى صورة رجال المرور مهيبة ومحترمة في النفس ونشعر بالأمان أينما وجدناه، وليس بالتوتر والقلق كلما شاهدناه، وهذا هو المألوف لدينا ولنكن صادقين مع أنفسنا بلا مكابرة.
في مدينة عيسى على بعد أمتار من إدارة المرور منطقة تعليمية مزدحمة حيث فرع جامعة البحرين القديم، وقريب منها معهد التدريب والمدرسة الهندية والمدرسة الباكستانية وخلفها مدرسة الإيمان والبيان وابن خلدون ومعهد خاص بالمعاقين ومدارس ومعاهد ومؤسسات أخرى، فيها أكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة، مقابل عشرة آلاف طالب وطالبة في المنطقة التعليمية المحاذية لها على جانبي شارع القدس ومدارس أخرى عند مدينة الشيخ خليفة الرياضية، ولدي أحفاد أوزعهم على مدارس المنطقة صباحا ومساء، وأعاني ما يعانيه غيري من الازدحام الممل غير المقبول عند الدوارات والتقاطعات في المنطقة، ونتكلم عن سوء تنظيم المرور ونصفه بما لا ينبغي للصغار سماعه فنحفر في أدمغتهم صورة سيئة لرجال المرور يصعب تغييرها، فرغم الازدحام لا نكاد نشاهد أحدا منهم في المناطق التعليمية إلا عند دوار جرداب، حيث يوجد شرطي واحد ومع كل التقدير لا شأن له بالمرور، هو يلف حول الدوار ويتحدث بالهاتف.
وبدورنا نقول إذا كانت إدارة المرور تدري بتزاحم الحافلات الصغيرة والكبيرة ولا تفعل شيئا فتلك مصيبة لأن مدينة عيسى قريبة منها، والأقربون أولى بالمعروف، وإن لم تكن تدري بما يدور حولها فالمصيبة أعظم، كان ينبغي لرجال المرور أن يكونوا حاضرين في هذه المنطقة على الدوام، وجودهم وتماسهم مع الطلبة بمختلف المستويات درس سلوكي تطبيقي لا تقل أهميته عن الدروس التي يتلقاها الطلبة في العلوم الأخرى، والتعلم في الصغر كالنقش في الحجر، كان ينبغي أن يخصص شرطي مرور لكل مدرسة أو دوار وتقاطع للتأكد من حسن السير وأن حافلات نقل الطلاب مستوفية لشروط صلاحيتها، كوجود مكيف وستائر وأبواب تفتح وتغلق مركزيا، وأنبوب العادم بأعلى الحافلة، ويكتب عليها حافلة مدرسية مع لافتة باسم المدرسة ورقم الحافلة وخط سيرها والتوقيت، ولا يسمح بقيادتها إلا للمواطنين ليفهم لغة الأطفال خصوصا عند حدوث إشكال بينهم، ويكون من المتزوجين ولديهم أبناء، وممن لا تتجاوز أعمارهم الستين عاما، ومواصفات أخرى تحقق أمن وسلامة الطلاب تعرفها إدارة المرور أكثر مني، وهذا ما شاهدته في أكثر من بلد، وقلما أشاهده داخل اكبر منطقة تعليمية بمدينة عيسى في البحرين.
حبذا لو أرسلت إدارة المرور احد ضباط المرور الساعة السابعة صباحا، والساعة الواحدة والنصف ظهرا ليشاهد ما يحدث أمام المدرسة الهندية والباكستانية ومعهد البحرين للتدريب وينقل إليها مشاهداته بتقرير مفصل، الشارع بضعة أمتار ضيق جدا، للذهاب والإياب وعشرات السيارات متوقفة على الطريق مباشرة تركها أصحابها ومضوا غير آبهين بما يتسبب للآخرين من قطع للطريق حين تتقابل حافلتان كبيرتان، ولمن تكون الغلبة بعد المكابرة والعناد؟ الأمل معقود على إدارة المرور التي لا نشك في حرصها على خدمة البلد ولا ننكر جهودها في تنظيم المرور وخدمة المواطنين أن ترأف بحال الآباء والامهات الذين لديهم أبناء بأكثر من مدرسة والتأخر هنا يعيق التحاق المتبقين بمدارسهم الأخرى، وضياع الوقت وصرفيات الوقود الضائع من الدخل القومي ومزيد من “العكننة”، ونحن بالانتظار والله الموفق.