العدد 1775
السبت 24 أغسطس 2013
معادلات لم تحسن أميركا فك رموزها في العراق (3) د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
السبت 24 أغسطس 2013

جر الأميركان بقرارهم احتلال العراق ومن ثم حل جيشه وقوى أمنه على أنفسهم البلاء، وجابهوا شعبا لديه الاستعداد لمقاومة المدفع والدبابة “بالفالة والمكوار” وليس بالبندقية، حل الجيش أعطى المقاتلين المدربين الوقت والفرصة للانضمام إلى المقاومة والانقضاض على المحتلين الغرباء، بوقت قصير جدا، اشتدت المقاومة وفشلت كل محاولات المحتل احتواءها واضطر إلى الرحيل على عجل، أما الجيش الجديد وقوى الأمن فقد أخطأ الأميركان في تشكيلهما على عجل، في ظروف غير مواتية، ومن عناصر غير موثوق بها اجتماعيا ولا مهنيا ولا ثقافيا، وتفتقد الشعور بالانتماء الوطني والتجرد والتضحية، ربما تعمد الأميركان ذلك بقصد استمرار أداء هذه القوى الضعيف، ليبقى العراقيون يعتمدون عليهم، ويضمنون البقاء مدة أطول، فكان قرارهم جريمة ارتكبوها بحق أنفسهم حين استعجلوا المقاومة ضدهم، وبحق العراقيين الذين عانوا طوال هذه السنوات تبعات قراراتهم الخاطئة “تفجيرات وخروق ودهم وقتل ووشايات وتعذيب كيدي وتورط بجرائم ضد الإنسانية”.
أما المعادلة السادسة فتشير إلى عدم معرفتهم الجيدة بنفسية العرب وجبلة العراقيين وهو ما جعلهم يتعاملون معهم بمنطق الحجاج في الترغيب والترهيب، وليتهم طبقوا المعادلة بحزم، ولكنهم وزعوا ستين مليار دولار على أنصارهم ومساعديهم ليضمنوا استمرار ولائهم بعقود وهمية لإنشاء مدارس ومؤسسات خدمية لم ينجز منها شيء ومازالت وزارة الخزانة الأميركية مشغولة بملفها تحقق أين ذهبت؟ وكيف...؟ وبذلك فتحوا عيون المسؤولين الجدد إلى الرشوة والسرقة التي تفشت بعد الاحتلال حتى أصبح العراق البلد الأول بانتشار وشيوع الفساد عالميا. بعد أن تخلص العراق منها تماما قبل الاحتلال بعقود.
وفي مجال التهديد والوعيد ظنوا أنهم حينما يستعرضون بدباباتهم وخوذ جنودهم المسربلين بالسلاح في الشوارع والميادين يرهبون العراقيين ويخيفونهم، ففسحوا المجال لجنودهم ودباباتهم تسحق وتدمر الطرق والأرصفة والحدائق بجنازيرها المسرجة، لا تلتزم بقواعد المرور ولا إشاراته وتدهس كل ما أمامها من البشر والمركبات بلا حذر وتساويها بالأرض، وإذا اقتضى الأمر إطلاق الرصاص على من يعيقهم، وعلى من يسير في الشارع التوقف تحية لهم، ويفتشون النساء والرجال باستهتار وسخرية، ومن يمتعض يطأون على رأسه بأحذيتهم، فصعق العراقيون لرؤيتهم الأميركان بهذه الوحشية والهمجية.
بهذه التصرفات استفز العراقيون ولم يبق أمامهم غير حمل السلاح والانضمام إلى المقاومة، انطلاقا من المساجد حيث يجتمع الشباب للصلاة ويتداولون فيما يرونه من تجاوزات المحتلين واستهتارهم، وليس من بينهم من لم يكن مدربا على حمل السلاح وهي فضيلة حكومة ما قبل الاحتلال دربت كل العراقيين على استخدام السلاح، فتشكلت مجموعات المقاومة المسلحة في كل المدن ولاسيما المساجد خاصة المناطق الغربية محافظة الانبار الرمادي والفلوجة، وثم محافظة ديالى وصلاح الدين بسامراء والموصل والنجف الأشرف والحلة والديوانية والبصرة وبدأت تذيق الغزاة الويل.
ثم بدأ التنسيق الأهم بين هذه الوحدات عند محاولة الأميركان اقتحام الفلوجة فتعاونت الفصائل وتوحدت ونمت وتطورت وسائلها، حتى أصبح الجندي الأميركي يرتعش ويبول على نفسه إذا سمع كلمة مجاهدين، وتكبد الأميركان آلاف القتلى والجرحى، ولم يعد يصدق أي من جنودهم نفسه سينجو من الموت الذي يلاحقهم أينما اتجهوا، حتى فروا بأنفسهم وهم يلعقون جراحهم. بفعل هذه المقاومة الشرسة التي تشكلت خلال وقت قياسي قصير.
والمعادلة السابعة كان الأميركيون يفكرون بالبقاء في العراق عشرات السنين، وضمان مصالحهم النفطية واللوجستية، وقرروا الانتشار في كل بقعة من العراق لإرهاب الناس، معتقدين خطأ أن وجودهم وهم مدججون بالسلاح في القرى والمدن يسهل مهمتهم، واستولوا على مراكز الشرطة ليؤكدوا أنهم موجودون في كل مكان ويسيطرون تماما على مقاليد الأمور بحزم، لكن العراقيين وجدوا في هذا الانتشار أفضل أسلوب لاصطيادهم بدون عناء البحث عنهم، أو مهاجمتهم في معسكرات يمتلكون فيها تقنيات التحرك السريع، وجعل تنظيمات المقاومة تنتشر وتتكون في كل مدينة وقرية، يطاردون الغزاة في مواقعهم كرا وفرا ويوقعون بهم الخسائر الفادحة في الأرواح والمعدات، وكان على الأميركان بقليل من التفكير أن يبتعدوا عن أنظار العراقيين. ولا يدخلوا مدنهم ولا يتدخلوا بحياتهم، ولكنه الغباء الأميركي، دفعهم إلى الاستعجال بالاستحواذ على خيرات العراق وتجهيز حملتهم بقيل من التدبر والتفكر. ففي العجلة الندامة، ولنا معهم وقفة تالية بإذن الله.
 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .