القول إن الإخوان حكموا مصر، وإنهم حاولوا أخونة الدولة، وفشلوا في حكم مصر، مجانب للصواب، ولتجني وافتراء، وذريعة حاول من فشلوا في منافستهم بصناديق الاقتراع التصيد بها في الماء العكر خلال الفترة الانتقالية، وهي فترة تسيير أعمال ليست مقياسا للنجاح والفشل، لأنها فترة متأرجحة بين حقبتين ما قبلها وما بعدها، وحين ولي الرئيس مرسي رئاسة الجمهورية لم يكن لديه دستور يحكم به ويستند إليه، ولا مجلس نيابي بأكثرية ينصحه أو يسترشد به يؤيد ويرفض، ولا من حقه إصدار إعلان دستوري له حكم القانون يترجم برنامج عمله، وليس له رئيس حكومة تنفيذية تنتمي رسميا إلى الحزب. ولا فريق رئاسي منه، ولم يتول الإخوان قيادة مؤسسات الدولة المركزية لنقول عنهم حكموا مصر، ونحكم عليهم فشلوا أم نجحوا.
دعونا نتساءل، أين حكومة الإخوان، وأين أخونة الدولة التي يدعيها المعارضون، هذه وزارة الدفاع أعطونا قائد فرقة، لواء، كتيبة، إخواني، حتى حرس الرئيس الشخصي لم يكن مواليا له ولحزبه، ووزير الدفاع قاد الانقلاب أين الأخونة، وهذا وزير الداخلية ظل وزيرا للانقلابيين أيضا، وكان ضباط الداخلية يضربون ويعتصمون احتجاجا على الرئيس حينما سحب منهم السلاح الذي يستقوون به على الناس والمتظاهرين المعارضين، وهاتوا ضباط أمن أو شرطة عينهم الإخوان، فأين الأخونة في أكبر وأهم وزارتين؟ وهذا دليل على أنهم لم يحكموا وليس بيدهم السلطة، وإذا حدث فراغ امني أو تجاوز وانفلات في عهدهم فمن مسؤولية وزيري الانقلاب الدفاع والداخلية، بل يجب أن يحاكموا بشأنه لأنهم كانوا كما يبدو وراء كل مشاهد الانفلات والتصادم وسقوط الضحايا والجرحى ليشوهوا سمعة الإخوان عمدا وعن سبق إصرار، فمن البريء ومن المجرم؟.
أما القضاء والإعلام أهم مؤسستين بعد الجيش والشرطة والأمن، ليس للإخوان في المحكمة الدستورية أو القضاء العالي والاستئناف موضع، ثم هاتوا أعطونا اسم شخص واحد جرم أو حكم عليه وسجن أو اعتقل في عهد مرسي بسبب أفكاره أو تطاوله على الرئيس وحزبه، وهاتوا يوما لم يكن فيه تظاهر أو اعتصام للمعارضة خلال حكم مرسي ولو كان غيره لرأيت مئات الآلاف من المعتقلين والمحكومين. على العكس أبطل القضاء قرارات رئيس الجمهورية المنتخب، وحل القضاء مجلس الشعب المنتخب بنزاهة لأول مرة في حياة مصر، وحكم رئيس الوزراء وهو في السلطة بالسجن سنة في سابقة لم يعرفها العرب من قبل، فمن هو الظالم ومن هو المظلوم؟.
ورغم كل الانفلات الإعلامي والتجاوزات وبرامج النقد والسباب والشتائم، من الإعلامي الذي أوقف وسجن وفصل من وظيفته؟ وكم صحيفة حجبت عن الصدور؟ وكم قناة فضائية سحب ترخيصها؟ فكيف إذا نقول كمم الإخوان الأفواه، وخنقوا الحريات، والواقع ان الناس لم تذق طعم الحرية إلا في عهدهم، وستذكر الأجيال لهم وللرئيس مرسي بالذات، انه أعطا صورة مثالية لأول رئيس عربي منح رعيته حرية النقد إلى حد التجريح، والانقلابيون هم من أوقف صحف وأغلق فضائيات، وكمموا أفواه الإعلاميين وحرم التظاهر السلمي وقتل المتظاهرين بالجملة بالرصاص الحي وجها لوجه، فمن الملوم؟.
لا أريد أن أضع نفسي موضع من يدافع عن الإخوان كأني منهم، في الوقت الذي لا تجمعني بهم غير اخوة الدين، ولكنه دفاع عن الحق والحقيقة، في وقت أصبح فيه التدليس مهنة الإعلاميين، وترزق قوم لا ذمة لهم، فاخترت الحق على مرارته، وأثرت كشف الحقائق ودحض الباطل رغم المصاعب التي يحتمل مواجهتها، والصحافة مهنة المتاعب، الحق وحده يدفعني للقول: إن الإخوان لم يحكموا مصر، وإنما اختارهم الشعب لحكم مصر، وأرادوا بناء دولة مؤسسات، وتشريع دستور وانتخاب برلمان وتشكيل حكومة أكثرية ليحكموا برؤية الديمقراطية، ويؤسسوا لدولة مدنية دستورية، وهو ما لم يكن يرضي جيوب الدولة العميقة، ولا غرور العسكر وقادة الجيش ولا المستنفذين من أفراد الشرطة وقوى الأمن، ولا القضاة والإعلاميين الذين تواطأوا مع النظام القديم على حساب الشعب. ودع من يخالفنا الرأي يقدم حالة امتدت بها يدهم للمال العام، أو بندقية مسكت بيد قيادي أو بمقر من مقراتهم التي أحرقت في زمن حكمهم لنصدقه، ولولا نظافتهم وعفتهم ما خرجت الجموع لتعتصم وتتظاهر بكل مصر مؤيدة للشرعية والرئيس، والعاقبة للمتقين.