ما يجري في تونس من التدافع على السلطة والنفوذ، والسقوط المجاني للضحايا في الطريق ليس من حصاد ثورة الربيع ولا من مخلفات آثارها فقط، الشعب التونسي شعب حي ومطلع بحكم صلته الوثيقة بالتجارب الغربية الديمقراطية، وكثير من الشباب التونسي وبخاصة سكان المدن الكبيرة زار أوروبا أو عاش سنوات في دولها كفرنسا تحديدا، وشاهد وعرف كيفية تعامل الحكومات الغربية مع شعوبها وفق قوانين تضمن الاحترام والكرامة، والجيل الجديد يجيد اللغة الفرنسية بحكم تعلمها في المدارس الابتدائية، ويتداولون مفرداتها في الحياة اليومية والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية، ويتابعون ما تنشره الصحافة الأجنبية. وألزمتهم ضرورات الحياة في المدن الكبرى بالانفتاح، وألفوا علاقات الزمالة بين الجنسين في الجامعات، والعمل بأجواء العولمة ولذلك يتفاعلون مع المستجدات بسرعة أكثر من أبناء الطبقة الفقيرة المسحوقة في الريف البعيد والأطراف، وغالبيتهم فلاحون وعمال وكسبة ويشكلون أكثرية الشعب ممن لم يوفقوا باستكمال دراستهم لأسباب عدة، والقرى مضيعة للرجال.
ومن الطبيعي أن تقتصر ثقافة أهل القرى والأرياف على المساجد بطريقة غير نظامية، قراءة القرآن بلا شروح واسعة، وحفظ الأحاديث من منابر الجمعة والوعاظ والمحيط، فنشأ منهم جيل ملتزم بالقيم والأعراف التقليدية، ولم يعتد المجاملة والممالأة كشباب المدن، وغالبا ما يرى الأشياء بمنظار أسود أو أبيض، حلال وحرام، وتغاضوا عما بينهما من شبهات تدرأ الحدود، وعدوا بعض الرخص مداخل للشيطان، ووفق نظرتهم واعتقادهم يصنف الناس إلى مؤمنين وعصاة أو كفرة، فحصل فرق شاسع بينهم وبين شباب المدن ممن تمسك بالثقافة الإسلامية، ولكن بحكم دراسته في الجامعات احتك بزملاء وأصدقاء من مشارب مختلفة، فرضت عليهم مجاملتهم سواء أكانوا معهم أم عليهم، ومروا بتجارب هذبتهم وصقلتهم وعرفوا أن بين الإيمان والكفر مساحة واسعة مما يقبل أو يسكت عنه.
وفي حكم بورقيبة وأبان حكم زين العابدين بن علي تعرض الإسلاميون ممن لم يجاملوا الحكومة بكل فئاتهم للإقصاء والتهميش غير المنصف، وصنفوا في المعارضة الخطرة، فدخلوا السجون مددا طويلة ونكل بهم بقسوة واضطهدوا لأتفه الأسباب، ولا ننكر أن بعض الاشتراكيين وبعض العلمانيين أو اللبراليين أصابهم التهميش والإقصاء بنسب أقل، وقد منح السجن وأيام العذاب هؤلاء وهؤلاء مشاعر وقناعات متضاربة، منهم من تعلم من السجن والتشرد والهجرة ونضجت تجربته وارتبط بتنظيمات معتدلة عرفت معنى التضحية والتسامح والمغفرة، ومنهم من اشتد إصرارا وحنقا على من لا يوافقه في الرأي ويريد الثأر لما أصابه من جراح الماضي، فتطرف بتوتر وقلق شديدين، وفي هذا التباين مكمن الداء ونقص الدواء، ولدينا في الفرق والطوائف الإسلامية قديما وحديثا أمثلة قارة على المعتدلين والمغالين بفعل الاضطهاد.
إن الجيش في تونس قليل العدد، ومهماته محدودة، وبعيد عن السياسة إلا ما ندر، وقد لا يشكل خطرا في المعادلة. والشد والجذب الذي نشاهده في الشارع التونسي وما رافقه من أحداث ليس من حصاد الربيع العربي، وإنما هو حصاد الظلم والتجبر والدكتاتورية على أيام بورقيبة وخلفه ابن علي، ورثته ثورة الربيع العربي جرحا قديما غائرا، وصار واحدا من العقبات التي تواجه ثورة الربيع، وبخاصة بين الإسلاميين المعتدلين والمتطرفين من جهة، وبين العلمانيين المعتدلين والمتطرفين من جهة أخرى، ثم بين فريق الإسلاميين أنفسهم وقد انقسموا إلى معتدلين ومتطرفين بشدة، وبين العلمانيين واللبراليين المعتدلين منهم والمتطرفين أيضا، ولكن على خجل ووجل.
الترويكا الحاكمة اليوم في تونس هم من معتدلي الإسلاميين واللبراليين، والمشكلة في كيفية تعامل المعتدلين مع المتطرفين، وكل من الإسلاميين والعلمانيين المعتدلين يعدون المتطرفين من جنسهم عمقا إستراتيجيا يؤيدونهم في الملمات والانتخابات ويضطرون لمجاملتهم أحيانا، فكثيرا من السلفيين والمتشددين مثلا قد يصوتون للنهضة والمرشحين الإسلاميين في المنافسة الانتخابية، ولكنهم يختلفون معهم على طريقة الحكم إلى حد التدافع، ويكدر السلفيون صفو الأمن بمطالبهم وتظاهراتهم، وحين يتورط إسلامي متطرف بالاغتيالات أو يصطدم بالأمن ويرفع السلاح، يسيء إلى رفاقه الإسلاميين المعتدلين في السلطة، ويتسبب بإثارة اللبراليين، واضطراب الشارع وزعزعة الأمن، فتعم النقمة على حكومة النهضة الإسلامية المعتدلة وتتعثر بإدارة البلاد بكفاءة، ويكسب اللبراليون مزيدا من تأييد الشارع بما يحرج النهضة ويحرج اللبراليين المشاركين في الترويكا الحاكمة.
الإسلاميون بشكل عام في تونس هم الأغلبية، ولكنهم غير متفقين بينهم على كيفية الحكم، كما هو الحال بمصر، وبدأت شعبيتهم تتراجع وسط تزاحم المتصارعين، ويكثر اللبراليون في المدن وبيدهم وسائل الإعلام، وبدأوا يكسبون مزيدا من الأنصار على حساب الإسلاميين ويطالبون بإعادة الانتخابات ليحققوا التوازن وهو ما يرفضه الإسلاميون، فيحصل الشد والجذب، وهي لعبة السياسيين الذين يكدر تدافعهم صفوا البلد، ويعوق نموه وتطوره، ونرى انعكاساتها السلبية في المشهد السياسي، والأيام حبلى.