العدد 1747
السبت 27 يوليو 2013
اللعبة القذرة في الانقلاب على الشرعية د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
السبت 27 يوليو 2013

*وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ* التخطيط والتنظيم والتنفيذ الذي تمت وفقه الإطاحة بالحكومة الشرعية بمصر واحتجاز رئيس الجمهورية وإقصاء الإسلاميين من التركيبة السياسية، وحرق المراحل بالسرعة المذهلة، اكبر من حركة تمرد التي نشأت واستوت خلال شهرين، ومن جبهة الإنقاذ برئاسة عواجيز السياسة ممن لم يحصل اكبر رأس فيهم صباحي، وعمرو موسى، على أكثر من 1,5 % من أصوات المصريين في الانتخابات التي حصل فيها مرسي 25 % ثم 52 % بدورة الإعادة، وعلى 63 % في الاستفتاء على الدستور، وفوق طاقة عسكر فشلوا في إدارة البلاد خلال سنة ونصف بعد مبارك، وأكبر من العسكري المغفل أحمد شفيق. الخطة أعدت بأسلوب صهيوأميركي محكم، يفوق ما يفقهه هؤلاء ويدبره الوسيط البرادعي.
الرؤية وضعتها دوائر استخباراتية عالمية، وبرمجت لها مع الأصفياء، بُعيد سقوط مبارك الذي لم يكن منه بد، ونظرا لغياب أحزاب سياسية قوية يركن إلى قواعدها الشعبية غير الإسلاميين الذين بدا أنهم لا مناص قادمون إلى الحكم بالصناديق شاء من شاء وأبى من أبى، فأحكمت الخطة لبقاء المجلس العسكري في قيادة المسيرة أطول فترة يتم خلالها الحفاظ على الدولة العميقة بكل السبل الممكنة خاصة ثلاث دوائر، استقلال القضاء والقضاة فلا يسألون عما يفتون ويقضون، وحرية الإعلام كواجهة تلبي طموح من ملئوا الشوارع في 25 يناير مطالبين بالحرية “حقنة مورفين مهدئة” وحيادية الجيش وقوى الأمن حتى يأتي دوره، واعتبار الثلاثة مناطق محرمة، ينبغي أن يحترمها الرئيس القادم لمصر ويقسم بعدم المساس بها. وهو الفخ الذي نصب لمرسي واقسم أن يلتزم به ولا يعلم انه بداية النهاية، رئيس جديد ثائر يحكم برجال دولة عميقة تمكر وتغدر وتكيد.
وكان بإمكان العسكر تزوير النتائج وإعلان فوز شقيق، لكنهم اقتنعوا أن التآمر على الإسلاميين وهم في الحكم وإسقاطهم أسهل وأجدى من إقصائهم. وبدأ التآمر عليهم فور إعلان فوز مرسي وتنصيبه، بدأ القضاة المخضرمون يلعبون لعبتهم وهم محصنون، وقفوا للرئاسة المنتخبة بالمرصاد، وأغلقوا على الرئيس المنافذ، حلوا مجلس الشعب وأعاده الرئيس فحلوه ثانية، عارضوا تغيير النائب العام بإصرار، شيطنوا الإعلان الدستوري ولو أصر الرئيس على عودة مجلس الشعب ما حصل الذي حصل، وقاموا بمحاولات لحل مجالس الشورى، وقفوا حجر عثرة بوجه الدستور والاستفتاء عليه، وحتى بعد إقراره شعبيا عمدوا إلى تعطيل العمل به بإجراءات شكلية لتعطيل انتخابات مجلس الشعب كيدا ومكرا، كان القضاة في التحقيق يطلقون البلطجية ليعاودوا إجرامهم مرة تلو أخرى، حتى انعدم الأمن والاستقرار فضلا عن تبرئة مبارك وأبنائه وزبانيته مدبري مذبحة واقعة الجمل، في الوقت الذي حكموا على رئيس الوزراء بالسجن سنة بتهمة غير مسبوقة، وأظهروا الرئيس ومستشاريه ضعفاء قاصري الفهم ولا حول لهم ولا قوة ليمهدوا لساعة الصفر.
وجاء دور الإعلام المدجن مدفوع الثمن ليلعب لعبته بطريقة لا سابقة لها بتهزئة الرئاسة، تحت شعار حداثة العهد بالحرية، صحافة رخيصة وفضائيات وقحة بذرت الشك وحرضت البسطاء، وشهرت بازدراء المؤسسات المحصنة ومسخوا الحكومة فهانت على القاصي والداني وضاعت على الناس كلمة الحق والحقيقة، وضلل الشارع بالإشاعات المغرضة والاتهامات الخبيثة تشجع على الإضراب والتظاهرات، ولعبت قوى الأمن الداخلي فيها دورا مشبوها مثلوا فيها الأشباح السود “بلاك بلوك”، وأصبحوا ظهيرا للبلطجية فكان حاميها حراميها، ومجزرة ملعب بور سعيد واضطرابات مدن القناة تشهد على شيطنتهم، بل اعتصموا وأضربوا، فلله يا أهل البلد من يصلح الملح إذا الملح فسد؟.
هذه الأجواء مهدت لمواقع الدولة العميقة في المؤسسات الرسمية التحرك لوقف عجلة تقديم الخدمات، أسهموا في تراجع السياحة وانخفاض الاحتياطي وسعر الجنيه، وانقطاع الكهرباء، وشح البنزين والسولار، وعز رغيف الخبز، وتوقف دعم دول الخليج المادي، فشجعت هذه المواقف وزير الدفاع الطموح ليجمع ما تفرق، المعارضة المغرضة والفلول، وتدرع بشيخ الأزهر، والكنيسة المتنمرة، ومول الملياردير المصري المسيحي ساوريس حملة حركة تمرد وغالبيتها مسيحيون كنسيون، وانضم إليهم في الوقت الحرج حزب النور المتذبذب كتمثيل للإسلاميين، تعويذة عن الشيطان، فيطمئن اللوبي الإسرائيلي الأميركي أن خطتهم ورؤيتهم أتت أكلها فأعطت الضوء الأخضر للانقلاب والعودة إلى ما قبل 25 يناير حيث حكم العسكر ورجال مبارك.
الرئيس مرسي لم يكن يحكم مصر، ولم يطمح أن يحكمها حكما فرديا، مصر كانت تحكم من خلال الدولة العميقة التي تركها له العسكر، ومرسي كان ينتظر إقرار الدستور وإجراء انتخابات برلمانية لتشكيل حكومة دستورية منتخبة لديها كل الصلاحيات التي تؤهلها إدارة البلاد بحزم من غير معوقات، ويكون هو حكما بين الشعب والحكومة، مرسي ومن معه لم يخفقوا كانت لديهم الإمكانات والنوايا وخطة العمل، ولكن ما العمل إذا تآمر عليه وعلى الشعب القضاة والإعلاميون وقوى الأمن والشرطة والجيش وأركان الدولة العميقة، والمنافسون له منذ اليوم الأول لانتخابه، وليست لديه الآليات التي تعينه على الأمر والنهي، وهل من ينكر ذلك؟ ترى لو تعاون معه المعارضون من دعاة الثورية ولم يكيدوا له سيفشل؟ ولو انتخب غيره، هل سينجح بمثل هذه الأجواء والصعوبات التي واجهته؟ وكل ما نقول *وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ*.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية