كان العالم ينظر إلى مصر بحضور الرئيس مرسي رئيسا لدولة ناهضة حديثا، نزعت ثوبها التقليدي القديم، وأصبحت برئيس منتخب، وهي مشرفة على عهد دستوري، وقادمة على انتخابات تشريعية، وحياة ديمقراطية، وما كان يدور على أرضها حراك شعبي طبيعي لكل امة نزعت ثوب الدكتاتورية وتعيش عهد حرية الصحافة والإعلام، نعم هناك تظاهرات سلمية معارضة حاشدة لا ضرر فيها ولا ضرار حيث لا يوجد سجين رأي واحد، وفيها قنوات فضائية معارضة إلى حد الانفلات، ولا ندعي أن صورة مصر كانت وردية مثالية، البلد يعاني أزمة اقتصادية خانقة، بسب إرث الماضي الثقيل وفوائد الديون، وارتفاع نسبة الولادات قياسا بالنمو السكاني، وهناك بطء وقصور في إدارة الخدمات مرجعه ضعف إمكانات الدولة، ووجود جيوب للنظام السابق ومعارضين يسعون لوضع العصا في العجلة وإيقاف دورانها وتشويه الصورة، وتوجد أزمة بين الحكومة وقيادات القضاء التقليدية من المسنين اتخذت طابعا سياسيا، وسوء تفاهم بين الأحزاب الموالية للدولة والمعارضة بسبب حداثة المجتمع بالتقاليد الديمقراطية وممارساتها، استغلت في التدافع الإعلامي بين الجيل القديم المستفيد من النظام البائد، والجيل الحديث الموالي للنظام الجديد، وكلها إشكاليات طبيعية تعيشها دولة بحالة تحول وتغيير، ومن غير الطبيعي أن لا توجد مقاومة فلكل فعل رد فعل معاكس له.
لقد تراجعت صورة مصر التاريخ والحضارة، وأكبر دولة عربية بغياب الرئيس مرسي، وبات ينظر إليها اصغر مما كانت، أقل ما يقال عنها، تمرد وزير الدفاع على القائد العام للقوات المسلحة، وحُركت وحدات الجيش بسهولة، فطوت جنازير دباباته وعساكره المدججة بالسلاح الحواجز، وأعلنوا الحجر على الرئيس الشرعي، وأملوا على القوى السياسية إرادتهم بخطة طريق وضعها وزير الدفاع الذي ألقى البيان العسكري بنفسه وليس المتحدث باسم الجيش، وسط مشهد يتقدمه شيخ الأزهر وبابا الكنيسة ورئيس حزب النور السلفي علما أن المظاهرات الاحتجاجية المعارضة ترفض الدولة الدينية التي يسعى إليها الإخوان المسلمون، ورجعنا ثانية إلى الوجوه الدينية فلماذا ثار الجيش؟ ما الذي تغير؟ وبمشاركة البرادعي حائز جائزة نوبل للسلام، الذي دخل وزارة الدفاع على ظهر الدبابة وخرج منها على ظهرها ثانية، فأية قيمة يا ترى بقيت للسلام، مصر تعيش حالة انقلاب عسكري بكل المعاني، وصور الانقلابات التي كنا نشجبها ونستنكرها في الأقطار العربية ونتصور أن مصر آخر ما تحصل بها هذه الانقلابات، ويزعم العسكر أنها ثورة وهي حالة نكوص بلا مشاحة.
الأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الأفريقية، والاتحاد الأوروبي، وأميركا وبريطانيا ودول كثيرة دعته انقلابا وفق مفاهيم الانقلاب العسكري، والانقلاب على مرسي غير الثورة على مبارك، مبارك كان نائبا معينا للرئيس السادات وبمقتله أصبح رئيسا واستمر رئيسا بالتزوير، ولم يأت بطريقة ديمقراطية محضة، واقتنع بنفسه أنها ثورة ضده وتنحى رسميا، مرسي منتخب بنزاهة وتمسك بحقه وقال الموت اقرب من التخلي وخيانة عهدة الشعب، ولأول مرة في بلد عربي يقوم الجيش بانقلاب ويعتقل رئيس الجمهورية وتخرج الملايين إلى الميادين في العاصمة والمحافظات تحتج وتطالب بعودة الرئيس، بل هناك من يتظاهر تأييدا للرئيس المحتجز في تركيا وتونس والأردن واليمن، وإذا كان هناك شبح انقسام بين السياسيين بحضور مرسي أصبح الانقسام بعده مرشحا للامتداد داخل القوات المسلحة، وبين الإسلاميين أنفسهم، وداخل مؤسسة الأزهر، وازداد شرخ الانقسام بين المسلمين والمسيحيين بسب معارضة غالبية المسيحيين لمرسي لاتجاهه الإسلامي. وماذا لو استمرت التظاهرات السلمية المعارضة والمؤيدة؟ أو تحولت إلى مواجهات مسلحة؟ وهل قادرة مصر على تحمل كل هذه التبعات؟.
والأدهى استطاع العسكر توريط مؤسسة القضاء والقضاة وأصبحوا طرفا بالانقلاب وساروا في دروب الردة، وجاءوا برئيس قاض لا يعرف دروب الساسة وليس له فيها شأن، ليكون رئيسا ويقسم أمام القضاء فعلى أية مادة قانونية استند القضاة في عزل الرئيس المنتخب وأية محكمة نظرته ليأتوا برئيس آخر بأمر العسكر خلافا للدستور، وهل سيكون رئيسا بحق أم ألعوبة بيد العسكر؟ حتى النائب العام الذي أتوا به بعد احتجاز مرسي آثر السلامة وطلب العودة إلى القضاء المهني تخلصا من المسؤولية، واعتذر العديد من كبار السياسيين التكنوقراط عن تولي رئاسة الحكومة كي لا يصبحوا شركاء في الجريمة، لقد اهتزت صورة مصر في العالم، واعتقد جازما أن لا احد من المحايدين يخالفني كثيرا في الرأي، فمبادرة العسكر تمرد بالقوة على الشرعية استجابة لدعوة حركة “تمرد” الشبابية التي لا نعرف لها أصلا وفصلا، لا هي حزب ولا هي اتجاه ولا نقابة مهنية وقياداتها مجهولة، وقد لا تكون ولادتها شرعية، وكما يتوقع الكثير من المحللين والمعلقين السياسيين سيكون انقلاب الجيش صورة شؤم على مصر لو استمر واتسعت الاحتجاجات، نأمل وندعو الله أن لا تكون كذلك.