العدد 1722
الثلاثاء 02 يوليو 2013
التعليم الجامعي الخاص في الوطن العربي (8) - الواقع د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الثلاثاء 02 يوليو 2013

أود إحاطة القارئ علما أن ما كتبته في مقالاتي السابقة كان موجها نحو التعليم الجامعي الخاص في كل الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، لم نخصص قطرا محددا ولا جامعة بذاتها، وهدفنا توعوي تنويري لذوي الشأن بحثا عن الرصانة العلمية، “ومن على رأسه بطحة يتحسسها”، والقصور موجود في كل مكان، ومملكة البحرين واحدة من الدول العربية فيها الجيد وما هو أقل منه، ويعرف القاصي والداني حال الجامعات الخاصة في البحرين قبل اعتماد الدولة إدارة الجودة، وبعد سنوات من الجهد الحثيث الذي قدمته هذه الإدارة أصبح الحال أفضل، والرصيد العلمي أرصن بفضل جهود المتابعة، ومازال المجال مفتوحا لكثير من الإصلاح والتطوير النوعي على مدى المستقبل بغية تحقيق الطموح العلمي، واعتقد أن الأساتذة والطلبة وأولياء الأمور والمعنيين يشاركونني الرأي إلا من أبى.
وأضرب وقائع كأمثلة لما كان يحصل في الجامعات الخاصة، من دون ذكر الأسماء، فمثلا يباع الكتاب في جامعة البحرين الرسمية للطالب بسعر دينارين ونصف الدينار على ما أعلم، بينما يباع هذا الكتاب للطلبة في جامعة خاصة بعشرين دينارا، أما كيف تم ذلك؟ لأن ما يدفعه الطالب في الجامعة الخاصة لدراسة مادة واحده يعادل عشرة أضعاف وربما عشرين ضعفا مما يدفعه الطالب في الجامعة الرسمية، ولذلك يضرب سعر الكتاب بعشرة أمثاله على أقل تقدير طالما يستطيع الطالب الدفع، ولا اعتراض لو بيع الكتاب بسعر معقول ولو بضعف ثمنه. وجامعة أخرى تغرم الطالب ما يقارب من 300 دولار تقريبا غرامة إذا أجل اختبار أي مادة ولو لسبب مشروع أو طارئ، وهو مبلغ يوازي ما يمنح للأستاذ الخارجي الذي يناقش أطروحة دكتوراه أو ماجستير، وجامعات خاصة في بلد عربي تدرس مقرر اللغة العربية باللغة الإنجليزية، كما لو كان الطالب أميركيا أو بريطانيا ويعطى معلومات عن اللغة العربية للتعريف بها، والسر يمكن أن يعهد بتدريس المقرر لأي أستاذ يتحدث الإنجليزية لإكمال نصابه من المحاضرات، أو ليدرسها أستاذ آسيوي ويدفع له مرتب أقل بحسب التعاقد، وأحيانا تغطى المادة بكتابة التقارير ليدرسها أي أستاذ غير متخصص.
وقبل سنوات كنت أدرس في جامعة رسمية 12 ساعة أسبوعيا، وسألت زميلي في إحدى الجامعات الخاصة كم ساعة تدرس أسبوعيا؟ فأجاب 36 ساعة، فهل يمكن النهوض بمثل هذا الجهد العلمي برصانة حتى لو تقاضى ساعات إضافية، وأن احدى الجامعات كانت تجمع مئة وخمسين طالبا في القاعة الكبرى تدرسهم مادة الثقافة الإسلامية واللغة العربية كونهما مادتين غير أساسيتين ولا غرابة، فهناك برامج في الجامعات الخاصة يدرس فيها الطالب يومين أسبوعيا فقط، أي يحضر عطلة الجمعة والسبت مفصلة على نوع خاص من الطلبة يفدون من خارج القطر ويدرس فيهما الطالب 12 ساعة يوميا، وبالعكس نجد مجمل الساعات المقررة لكل برنامج ضعف عدد الساعات المقررة في الجامعات الرسمية ليمتص المالك المزيد من دم الطلبة، ولا أنسى أنني راجعت يوما إحدى الجامعات الخاصة الحديثة النشأة ربما لم يمر عليها خمس سنوات، فوجدت لديها ما يقرب من مئة برنامج وعشرين فرعا دراسات عليا ماجستير ودكتوراه فهل يعقل ذلك؟ وكم عدد الأساتذة لديها، وهل تغطي الكتب والدوريات الموجودة في مكتبتها العدد الهائل من البرامج؟
وأضيف بإمكان أي طالب أو طالبة في الجامعات الخاصة أن يتصل بالأستاذ عند منتصف الليل ليسأله عن المادة المقررة في ليلة الامتحان أو عن نتيجته إن كان راسبا أو ناجحا أو يطلب بالتحديد الدرجة، ولهذه الظاهرة تفسيرات عديدة، والأستاذ ملزم بمجاملة الطالب، فملاك الجامعة ينظرون إلى الطالب موردا للربح لأنه يدفع، وينظر إلى الأستاذ مصدر استنزاف يقلل الربح المادي؛ لأنه يتقاضى راتبه من الجامعة. بل وتخول بعض الجامعات الأساتذة منح زيادات لكل الطلبة في الامتحان النهائي لرفع نسبة النجاح، في حين أعرف حالة في جامعة البحرين حصل فيها الطالب على 59 % في إحدى المواد وعد راسبا لأن درجة النجاح كانت 60 %، ولا أنسى ما نشر عن جامعات خاصة من اكتشاف لجان المتابعة تفاوتا كبيرا بين درجات الطلاب في الدفاتر الامتحانية ولدى الأساتذة وبين السجلات والشهادات، وإنها تقدم رجلا وتؤخر أخرى في تقديم المستندات للمدققين، وهو ما لا يمكن حصوله في جامعة رصينة؟ وجامعة أخرى استولت على كرفانات من دون وجه مشروع واستخدمتها فصول للطلبة من دون علم أصحابها، هذا غيض من فيض، والملاحظات السلبية كثيرة. ونقولها صراحة ما زال الطريق طويلا أمام التعليم الجامعي الخاص في البلاد العربية عامة ليتبوأ موقع الرصانة والجودة المطلوبة.. وأدعو الله من كل قلبي أن يصلح الحال وهو حسبنا ونعم الوكيل.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .