بدءا ليفهم من يريد أن يتعلم ويتعظ، التعليم خدمة قبل أن يكون تجارة، وتحريم المتاجرة والمضاربة بالتعليم أشد من تحريم بيع الجسد للذة، والمال لا يصنع جامعة، الكويت على سبيل المثال لا ينقصها المال لإنشاء جامعة أو توسيع جامعتها، لماذا يدرس طلبتها في البحرين ومصر وسوريا والأردن وغيرها، ولا أقصد بذلك طلبة البعثات المتفوقين، للبعثات منظور خاص ليس هذا مجاله، لكن الجامعة مسؤولية وأمانة علمية ومجتمعية، وليس من السهل أن ينهض بها فرد أو أفراد، فقد تفشل الحكومات في إدارة الجامعة وما أكثر الشواهد. ولذلك ينبغي أن يكون التعليم الجامعي الخاص تحت وصاية المجتمع والدولة.
الجامعات لا تفتح أبوابها لتأخذ وإنما لتعطي أكثر مما تأخذ، ولا بأس أن تحظى بهامش مقبول من الربح المادي المشروع، ولا ننكر أن تقييم الجامعات الرصينة عملية علمية شاقة، لا تتاح إلا للجان تبذل جهودا وتمتلك الخبرة وتتكاتف وتتعاون، ولا تقرر إلا بعد متابعة ودراسة معمقة، وليس من السهل الحكم على نجاح جامعة أو فشلها. ولكن هناك معطيات عامة ظاهرة نستطيع أن نحكم من خلالها على تلك الجامعات المنفلتة، وتميزها عن الجامعات الرصينة، فالمظهر لا يتقاطع بحدة مع الجوهر، حين تفتح الجامعات أبوابها لمن هب ودب من طابور الطلبة الحاصلين على أدنى المستويات، أو الراسبين والمتخلفين في جامعات رصينة لم يحالفهم فيها الحظ، ثم يرجعون إلى الجامعات الخاصة كونهم يمتلكون المال أو قادرين على الدفع ويتخرجون بلا عوائق، والأدهى والأمر عدم مراعاة التخصص كأن يقبل خريجو الأدبي في تخصصات هندسية وعلمية حتى لو حصل على دورة أو تدريب، أو قبول طلبة مر على تخرجهم من الإعدادية سنوات طويلة، وما عادت لهم قاعدة علمية يؤسس عليها، ثم تكون نسبة نجاح الطلبة من هذا النوع وذاك 90 % أو أكثر، في حين تكون نسبة النجاح في الجامعات الرسمية 50 % إلى 60 %، فهذا دليل قار أن الجامعات تهرول وراء المال لا الكيف، التعليم الخاص مهما فعل لا يعني انه قادر على خلق المعجزات، ولو خلقها يخلقها لطالب أو اثنين ولا يخلفها لكل الطلبة الواقفين في آخر الطابور حتى لو كان نقيب المحامين أو الأطباء أو المعلمين منهم.
وللعلم لست ممن يتكلم عن التعليم الجامعي من منطلق حصوله على درجة دكتوراه الدولة، لقد دَرسْت في ثلاث جامعات كل منها في قطر، وكنت من الأوائل، ولي أكثر من شهادة عليا في اختصاصات مختلفة، ودرّست في خمس جامعات عربية طيلة ثلاثين عاما، ثمان سنوات منها رئيس قسم، ولم أعاقب، ولم أحال على لجنة تحقيق أو انضباط، وكوفئت مرات ومرات ماديا ومعنويا، وحصلت على لقب الباحث الأول المتميز، ثم على لقب الأستاذ المتميز على جامعات القطر في اختصاصي، وخريج دورات متعددة في الإدارة، والتدريب، وتطوير طرق التدريس الجامعي، وهذا لا أذكره للفخر وإنما ليعلم القارئ أنني أتكلم عن تجربة وخبرة، وليس كلاما نظريا.
هنا اروي تجربة عشتها، في جامعة أمضيت فيها سنوات، عين عضو هيئة تدريس حاصل على شهادة دكتوراه الدولة من جامعة السوربون بفرنسا- الله اكبر- صيته سبقه، وما كادت تمر أيام على مباشرته إلا وهددت مجموعة من الأساتذة بالإضراب احتجاجا على تعيينه- والعياذ بالله- وتبين، أنه كان طالبا في الجامعة بذات الاختصاص فتعثر وأخفق، ولأن أباه متمكن ماديا أرسله إلى فرنسا وعاد بعد عشر سنوات يحمل شهادة دكتوراه الدولة، فكان التساؤل كيف يفشل طالب ويركن قيده من جامعة ثم يعود إليها بعد سنوات أستاذا بذات الاختصاص الذي أخفق فيه، هذا نمط من الجامعات والأساتذة اقل ما يقال عنهم أنهم لا يحترمون أنفسهم وعلمهم وجامعاتهم. وهنا أتساءل كم طالب مثلا اخفق في اجتياز المراحل الدراسية في الجامعات الرسمية وتركها والتحق بجامعة خاصة وتخرج منها بتفوق، سواء في البحرين أو الدول العربية الأخرى، ولم يتخلف بمادة أو فصل، لو عرفنا العدد لأدركنا السبب وازداد العجب. ماذا نقول عن جامعة يدرس فيها الطالب عددا من المقررات باللغة الانكليزية ويجتازها وهو لا يستطيع التفاهم أو تأليف جملة باللغة الانكليزية عن المادة، ماذا تقول عن جامعة خاصة تخرج فيها الطالب، واقسم أبوه وهو أستاذ جامعي أمام مسؤول كبير في سلك الجامعات الخاصة، أن ولده تخرج وليس لديه كتاب أو دفتر دراسي طيلة مدة دراسته، وقرأت يوما مقالا لصحيفة سعودية عنوانه: الجامعات الخاصة في... قطار سكة حديد بلا تذاكر. وصحافة البحرين لم تدخر جهدا في متابعة هذا التعثر المؤسف للجامعات، لم نكن نرغب ولا نريد نشر الغسيل الوسخ، ولكنها الحقيقة، وللموضوع صلة.