العدد 1717
الخميس 27 يونيو 2013
التعليم الجامعي الخاص في الوطن العربي - 6 - القيم د.عمران الكبيسي
د.عمران الكبيسي
الخميس 27 يونيو 2013

بدءا تجدر الإشارة إلى أننا لم نقل في حلقاتنا السابقة همّ جميع الجامعات الخاصة المتاجرة والربح، لم نعمم ولم نخصص، ولم نقل جامعات الدول الاشتراكية والأوروبية والأميركية جميعها رصينة، ولم نحرم الربح المشروع على ممولي الجامعات، وإنما استهجنا المتاجرة والمضاربة بعقول الأجيال، والحلال بيّن والحرام بيّن، والأعمال بالنيات، ولا ننفي وجود جامعات خاصة تتحرى العلمية والرصانة، وقد تتفوق على جامعات رسمية مثلها، وحين ذكرنا الجامعة الأميركية كونها تعد في نظر الكثيرين مؤسسة عالمية رصينة رغم الشكوك والتهم التي تحيط بها لاسيما في مجتمعنا المحافظ، الرصانة تتحقق للجامعات حينما يكون هدفها الأول والأساس خدمة العلم، وضمان مستقبل خريجيها وتمكينهم علميا ومهنيا، ليجري لمؤسسيها ما يجري على الصدقة الجارية والعلم الذي ينتفع به، لقد احل الله البيع وحرم الربا، لكن بيع الشهادات وتقييم العقول الاعتباطي اشد حرمة من الربا، ولم نحرم هامش الربح المعتدل وانتعاش رأس المال بوجهه الشرعي.
الجامعات حرم آمن مطمئن، هي مشاعل هداية وتنوير، ومراكز علمية وبحثية، يحكم فيها العقل، ومعقل للقيم والمثل والتقاليد الرصينة، يهجن فيها الجشع والتطرف والعنف، لا تدخلها العساكر ولا قوات الأمن الحكومية إلا للضرورة، وبناء على موافقة مجلس إدارتها، فللجامعات حرسها الجامعي الخاص المدرب على التعامل مع الطلبة، وللجامعات قيم وأعراف تحترم في أروقتها، وتعلو تقاليد عن كونها سلطة تعسفية أو قواعد قانونية رسمية، التمسك بالقيم الجامعية نابع عن إيمان ذاتي وقناعة الأوساط الجامعية بأهميتها وجدواها، وأغلبها لا تسن بقوانين ولا تحدد بأنظمة، هي أعراف وتقاليد حرفية مهنية يتوارثها الخلف عن السلف، الكلمة في الجامعة للعلم والقلم، وليس للمال أو السيف والسلطة، السلاح محرم في الحرم الجامعي، حتى العسكري إذا زار الجامعة لأي سبب عليه أن يؤمن سلاحه لدى الحرس الجامعي المدني في المدخل، ولا يجوز اعتقال الطلبة والأساتذة داخل حرم الجامعة، ولا يحظر على مكتباتها اقتناء الكتب الممنوعة من السلطات الرسمية، بل توضع الكتب المحظورة في خزانة خاصة يطلع عليها المعنيون بالبحوث، ويرفع الطلبة شعار “لا دراسة مع الحراسة” حين يعتصمون أو يتظاهرون وتقترب العساكر من الجامعة.
وللقاعة الدراسية الجامعية حرمتها، فلا يدخلها أثناء المحاضرة غير الطلبة إلا بموافقة الأستاذ، ولا يتحدث من يدخلها زائرا إلا بإذن من الأستاذ وبموافقته لو كان رئيس الجامعة، ولذلك يقال “الأستاذ ملك القاعة” وعلى طلبته أن يخفضوا له جناح الطاعة والاحترام ويعترفوا له بالفضل ويغفروا له عن طيب خاطر لو اخطأ عن غير قصد، وللأستاذ الجامعي حصانة إدارية لا يعاقب ولا يُقال ولا يوقف عن التدريس إلا بقرار من لجنة انضباط مهنية أو المؤسسة الحرفية المدنية كالجمعية والنقابة، ولا يراجع تصحيح الدفاتر الامتحانية المصححة بعده، وإن اقتضى الأمر مراجعة جمع الدرجات فقط، ولا يعين الأستاذ أو يستغنى عنه حسب مزاج ملاك الجامعات، ولا يجد ضمانات تحميه من الخذلان، فلا مكان في الجامعات لتسلط الملاك والإدارة على الأساتذة ليجعلوا منهم رقيقا أبيض أو رقيقا علميا تمتلكه متى تشاء وتستغني عنه أو تتنازل، ثم لا يجد من يلجأ إليه لإنصافه، وربما نجد لعمال المنازل نظاما يحميهم ولا نجد نظاما ينصف الأستاذ الجامعي ولاسيما في الجامعات الخاصة. حيث إجراءات معاقبة الأستاذ أسهل من إجراءات معاقبة الطالب.
الجامعة ليست مبان على الأرض، ولا تعليمات على الورق، ولا شهادات مصدقة، الجامعة مكتبة ومختبرات بحثية وأساتذة وطلبة وتقاليد وبرامج وقاعات ومرافق، ومصلحة الطالب ومستقبله العلمي والمهني هي الديدن، ولضمان تخرجه بكفاءة عالية لا يسمح بتسجيله ما لم تكن مؤهلاته جميعها حاضرة، الطالب ذهنية في رصيده العلمي السابق ورصيده اللاحق، وهو محور كل شيء، على هذا تبني الجامعات، وليس بالشكل التجاري الذي نراه اليوم في كثير من الدول وليس في دولة واحدة، حيث لا يضر أن تكون القاعة ضمن شقة، أو في طابق من عمارة محورة أشبه بالدكاكين، والأستاذ يحمل على التدريس في مجال اختصاصه واختصاص غيره، لمجرد انه يحمل شهادة الدكتوراه ويغض النظر عن تخصصه الدقيق، ويجب مراعاة عمر الطالب وسنة تخرجه ومعدله واختصاصه، الجامعات لا تفتح للمتردية والموقوذة والنطيحة وما ترك السبع وغادره القطار، ولم تفتتح لتحلب الطلبة وتملأ جيوب الملاك كي يبنوا القصور ويمتلكوا العمارات، بل تُبنى برأس مال مسبق من التبرعات وهبات ومنظمات المجتمع المدني ومساعدات دور البحث والمؤسسات العالمية والمساهمات الحكومية، بعد أن تتأكد أن الخدمة الجامعية على رأس التطلعات، وقلما نجد جامعة هي ومبانيها ومرافقها وكل من فيها ملك للمالك بسلطته ونفوذه وإلا لتحولت إلى مدرسة ابتدائية ولم تصبح جامعة. وللموضوع صلة.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .