قامت الدنيا ولم تقعد لأن أكثر من حالة ضرب لطلبة من أساتذة قد وقعت خلال الأسبوع الأول من العام الدراسي الجديد.
سبب الضجة يعود إلى أن ظاهرة الضرب قد اختفت من المدارس خلال السنوات القليلة الماضية، ولأن القاعدة التعليمية الحديثة تشدد على أن التربية لا تتحقق بالعنف، والتعليم لا يبلغ مداه إلا بالحسنى.
يقول قائل: إن الضرب قد أخرج علماء من بني جلدتنا في الماضي، وإن التدليل للطلبة لم يسفر إلا عن تخريج أجيال فاشلة تكره التعليم وتفتقد القدوة وتنبذ احترام التلميذ لأستاذه.
كل ذلك صحيح، لكن الصحيح أيضاً أن تجنّب العنف مع الطلبة سوف يخرج جيلا راقياً كريماً، غير عدواني... هكذا يرى علماء النفس والاجتماع، وهكذا يعارضهم من خاض تجارب المعرفة بإتقان ومهارة وتفوق في الماضي.
كنا نخاف من أستاذنا ونحترمه ونجله ونعود إليه لنتلقى منه النصيحة حتى لو كان شديد البأس معنا، وذلك قناعة منا بأنه يحرص دائماً على مصالحنا ويحاول أن ينير لنا الطريق القويم لبلوغ مستقبل سعيد، مهنة التدريس من أصعب المهن وأكثرها قدسية في الوقت الذي لا يحصل فيه المعلم على امتيازات تذكر ولدرجة أن الكثيرين منهم قد جاءوا إلي شخصياً يطلبون الانتقال للعمل في وزارات أخرى. إذًا، المعلم لا يجنى شيئًا من وراء مهنته الخطرة مثلما يجنى الآخرون، ورغم ذلك نحن نلومه إذا غضب ونحوله إلى التحقيق علنًا إذا أخطأ، وهو ما لا يستقيم أبدًا مع وطن يسعى إلى وضع أبنائه في مكانة أعلى وأرفع بين الأمم.
على أية حال، ورغم كل هذه الحقائق لا يجب أن يتحول الضرب إلى ظاهرة في المدارس؛ لأن العنف لا يولد إلا عنفًا؛ ولأن الأخلاق الحميدة تصنعها عقول قادرة على التأثير في الآخر والسيطرة عليه. نحن لا نريد أن نجلد أنفسنا أو نلوم أساتذتنا الأجلاء، كل ما نريده هو الوصول إلى آلية حاكمة تخلق التوازن في العلاقة بين المعلم والتلميذ، آلية تقوم على حقوق محددة من المعلم تجاه تلاميذه وواجبات بعينها من التلاميذ تجاه معلميهم، آلية تقوم على احترام الصغير للكبير والتلميذ للأستاذ وليس بالانصياع إلى تلك الدعوات الشيطانية التي يتحول خلالها المعلم إلى متهم تشكل له لجان التحقيق علنًا عندما يخطئ.
لا يجب أن نستمع فقط لصوت العاطفة من أمّ تخشى على أبنائها من أستاذ أو أب يريد أن يربي أبناءه على طريقته الخاصة، لابد أن يكون لدينا قدوة نحتكم إليها في المدارس وهو المعلم حتى لو أخطأ فعقابه على الملأ ومحاسبته على مرأى ومسمع من الطلبة رذيلة ينبغي أن ننأى بها بعيدًا عن منظومتنا التعليمية وإلا سنقول على عاداتنا وتقاليدنا السلام. صدق الشاعر عندما قال: قف للمعلم وفّه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولاً”.
هل نفهم مغزى ما جاءت به هذه الأبيات أم ستجرنا العواطف إلى ما لا يحمد عقباه، وما لا يدرك مداه؟.