لا تمتلك البحرين ثروة نفطية أو تعدينية، لا تمتلك جبالا من الذهب، أو بحارا من المحار، أو أنهارا من اللالئ والمرجان، لكنها تمتلك ما هو أغلى، ما هو أنفس، ما هو أكثر قدرة على البقاء ومكافحة الفناء، إنها ثروة البشر التي لا تنضب ومحاجر العقول والسواعد التي لا تكف عن الإبداع والبناء.
هذه الثروة تواجه المحن، وتكافح التحديات لماذا..؟ لأن من سبقونا على طريق العطاء يعانون، ولأنهم يكابدون الفقر والمرض والنسيان، ولأنهم مهملون ولا يجدون من الأيدي البيضاء ما يربت على أكتافهم؛ لكي يواسيهم على ما هم فيه، ولأننا لا نحمل من الذاكرة ما يكفي لتكريمهم على إخلاصهم في العطاء وعلى تفانيهم في العمل، فإننا تركناهم فريسة للإحباط ووليمة لخط النهاية المرعب الأليم.
إنهم المتقاعدون في الشركات الكبرى، هؤلاء بذلوا من الصبر والتحمل والقدرة على الإنتاج، ما دفع بشركاتهم إلى مصاف نظرائها اللامعين في الغرب. الأكثر من ذلك أنهم عملوا في ظروف شبه مستحيلة؛ من أجل وضع البحرين على خارطة العالم الصناعي الحديث. كابدوا في صمت وصبر نادرين حرارة ورطوبة الصيف – وبرودة وصعوبة الحياة في الشتاء، تحملوا كل المشقات وضحوا بالغالي والنفيس؛ من أجل أن يكون للبحرين كلمتها في عالم الكبار.
وبالفعل.. تحقق لهم ما أرادوا لبلدهم الغالي، لكن لم يتحقق لهم شيء يذكر مما تمنوه لأنفسهم.
هم لا يسألون عطية أو إحسانا، لكننا بالنيابة عنهم نسأل لهم مسئوليهم في الشركات الكبرى: ماذا فعلتهم لهم بعد أن داهمهم قطار العمر السريع، وألقى بهم على آرائك التقاعد المنسية؟
هل تواصلتم معهم؟ هل أقمتم حفلات تكريم لمن أجاد وأبدع ليكون حافزاً ومثلا يحتذى لكل من يعمل في تلك الشركات من شباب اليوم؟
قبل بضع سنوات، قادتني قدماي لزيارة مصهر “ألبا” – ثاني أكبر مصنع لإنتاج الألمنيوم في العالم هناك عرفت كيف أن عمال البحرين يعانون صعوبة الأجواء والمناخات، وكيف أنهم يعملون ويتألمون ويتحملون في صمت..؟ وكيف كانوا لا يجأرون بالشكوى ولا يضجون بالمطالب المشروعة؛ لأن الشكوى لغير الله مذلة.
هل يمكن أن تقولوا لنا يا جماعة “ألبا” وهذه مجرد حالة من ضمن حالات أخرى كثيرة.. كيف تتعاملون مع متقاعديكم حالياً؟ هل تسمحون لهم باستخدام عيادات الشركة ومشفاها الحديث المتكامل؟ أم إنكم تغضون الطرف عنهم وتعتبرون أن كل من عليها فان، وأن البعيد عن العين بعيد عن القلب مثلما يقولون؟
إن متقاعديكم أمانة في رقابكم، ورصيدا للأجيال القادمة، إن لم تعيدوا اكتشافه بالتواصل والرعاية والاهتمام، فإن أحدا لن يلوم شبابنا الطالع إذا فقد إيمانه بقدسية العطاء وجلال التفاني في العمل.