العدد 5763
الخميس 25 يوليو 2024
banner
احمد عبدالله الحسين
احمد عبدالله الحسين
خربشة ومغزى.. "بامية صيف وجبة غداء مع صديق"
الثلاثاء 09 يوليو 2024

في يوم قيض أطفئ حرارته براد يتنزل بهدوئه من الأسقف. طاب فيه هناءة طعام غداء شاركني فيه صديق أريب، تذوقنا فيه ثريد لحم طلي طازج فيه شُحيمات تداخلت في بعض أطرافه، وخبز خاص من التنور مثرود مقطوع بحجم نصف راحة الكف، تبلل وأرتوى في حضن مرق بامية بلغ نضجه ونكهته. البامية صيفية بيضاء صغيرة قطيفية المنبت من حصاد مزرعتها، صاحبها تمن مشخول أستوى وعلا في صحنه، وتكسوه كسيرات شقراء تلمع لينة القضم حكاكة (تمن ترسب أسفل القدر) نكهة الحكاكة في الفم تزيد إذا تدثرت بقليل بصل تلائم لون حرقته معها، وكأنه وحمة طفل في رسمها. 

هكذا ترى فواح طعام ترنم بيد من طبخه. ذكرني هذا وصف شاعر صيني أسمه "صوشي" عاش في القرن الحادي عشر ميلادي، له نثر عن الطهي يقول فيه؛ "أجعل النار هادئة وضع قليلا من الماء وأجعل درجة الحرارة مناسبة وكافية تجد الطعام لذيذا شهيا من تلقاء ذاته". وكذلك الصينيون لهم براعة وصف كقولهم؛ "الرائحة الزكية تجعلك تنزل من فوق الحصان، ومعرفة المذاق الجميل تجعلك تُوقف العربة". وكذلك اختيار التوابل هي تتوافق مع سعي الإنسان وراء طعم رفيع ومتعة حقيقية. ولهذا نعمة الذَّوْق الحاسَّة التي تُميّز به خواص طَّعْمِيَّة عبر الجهاز الحِسِّي في اللسان، تمس ماهية الطعوم المحسوس منه والوجدانيُّ. هبة من الله لها شكر وذكر.

كُنا مع الصديق والبيت خالي حين تفازعت الأيادي، واستهلت المذاقات وكأننا صغار نأكل من طبخ أمهات، تُسكرنا رائحة نفسهن، وحنان صنعهن. تلوح فيها ذكريات انحفرت في وجدان وتخددت في دهاليز دونما نسيان. بعد الفروغ من جاذبية البامية والثريد والتمن، انتقلنا إلى قطع بلوح رگي بقشرته (جح) وبطيخ أعتصر بحلاوة ماء تنقع بداخله. ظننت نفسي حينها وأنا أمضغ وأرتشف في مزرعة طالما زرتها في صباي ولأهلي مثلها. وكان ختامها لبن شنينه، تنسكب بالحشا هينة، فيها لذه وللشرب لينه، وبياضها مخثر زبدها يزينه.
أصف هذا وأقول إنها نعمة تستحق شكر البارئ الرازق ذو الفضل الذي أعطى وأجزل من عافية وملكة تذوق ورفقة لا تُملّ. هكذا إزدان يوم صيف فيه رطوبة كورق غراء لاصقه، تجلس الشمس حذوه تقبله قبلة تدوم ساعات النهار اللاهب لا ينقطع اثرها،، تُلينه لذائذ وجبة غداء، وطيب حديث كأطايب ثمر، وتسخير لطف قدر، وإلى الله المستقر.

هذا الموضوع من مدونات القراء
ترحب "البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected]
صحيفة البلاد

2024 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .