شركات “الأزياء العالمية” بين نار الـ “أوتليت” و “تقنين الإنتاج”
تحليل اقتصادي | بعد حظر إتلافها في أوروبا... أين سيذهب فائض الملابس الجديدة؟
- نصــف مليـــون طــن سنويـــا مـــن الأزيـــاء الأوروبيـــة يتـــم إتلافهـــا
- 1.44 مليون طن صادرات الاتحاد الأوروبي من المنسوجات المستعملة في عام 2025
- السماح بالإتلاف في حالات الإضرار بالصحة والسلامة والضرر غير القابل للإصلاح
- 92 مليون طن من نفايات المنسوجات ينتجها العالم سنويا
بعد دخول حظر إتلاف الأزياء غير المباعة في الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ في 19يوليو الجاري، باتت شركات الأزياء العالمية الأوروبية أمام تحد بوقف واحد من أسرع الحلول التي اعتمدتها صناعة الأزياء لإدارة فائضها، يتمثل في إيجاد أسواق واستخدامات جديدة لمئات آلاف الأطنان التي قد تبقى في المستودعات بعد انتهاء مواسم البيع.
وكانت العديد من المستودعات الأوروبية تلجأ إلى إتلاف أزيائها بعد انتهاء موسمها؛ لأن تخزينها أو إعادة تجهيزها للبيع أصبح أقل جدوى من التخلص منها.
وتقدّر وكالة البيئة الأوروبية أن ما بين 4 % و9 % من المنتجات النسيجية المطروحة في السوق الأوروبية كانت تُتلف قبل استخدامها للغرض الذي صُنعت من أجله، بما يعادل نحو 264 ألفا إلى 594 ألف طن سنويا.
ولا يتكون هذا الفائض بالضرورة من ملابس معيبة، بل يشمل مقاسات وألوانًا لم تحقق الطلب المتوقع، ومجموعات انتهى موسمها، ومنتجات أعادها المشترون بعد طلبها عبر الإنترنت.
وتعتمد صناعة الأزياء على إنتاج الكميات قبل معرفة حجم المبيعات الفعلية.
تحتاج المتاجر إلى رفوف ممتلئة وخيارات متعددة، بينما تتسابق العلامات التجارية على إطلاق مجموعات جديدة بوتيرة سريعة، ونتيجة لذلك، يبقى جزء من المخزون من دون مشترٍ.
وتزداد المشكلة تعقيدا مع التجارة الإلكترونية، فالقطعة المرتجعة تحتاج إلى النقل والفحص والتنظيف أو الكي وإعادة التغليف وإدخالها إلى المخزون مجددا.
وإذا تأخرت هذه العملية، قد ينتهي الموسم أو تصل مجموعة أحدث، فتفقد القطعة جزءًا كبيرًا من قيمتها التجارية رغم بقائها صالحة للاستخدام.
كان الإتلاف في بعض الحالات أقل تكلفة من التخزين وإعادة المعالجة، كما تجنبت بعض العلامات التجارية بيع كميات كبيرة بأسعار منخفضة، خشية أن يؤثر ذلك في صورتها أو في قيمة منتجاتها داخل السوق.
لكن الحظر الجديد يغيّر هذه المعادلة، فالقطعة التي لم تُبع لم تعد نفاية يمكن التخلص منها بسهولة، بل مخزونًا ينبغي إعادة توجيهه أو الاستفادة من قيمته.
من المستودعات إلى أسواق الخصومات
سيكون إعادة البيع المسار الأول أمام الشركات، ويتوقع أن يزداد الاعتماد على التخفيضات، ومنافذ بيع المجموعات السابقة، ومتاجر الـ “أوتليت”، والمنصات الإلكترونية المتخصصة في تصريف المخزون.
وبدل اختفاء المجموعة فور انتهاء موسمها، قد يمتد عمرها التجاري لفترة أطول، وتنتقل بين أكثر من قناة بيع قبل أن تعتبر غير قابلة للتسويق.
وقد تستفيد متاجر التخفيضات وتجار الجملة والمنصات التي تربط العلامات التجارية بالمشترين الباحثين عن أسعار أقل.
كما ستزداد أهمية الشركات التي تتولى إدارة المرتجعات وفرز المنتجات وإصلاحها وإعادة تغليفها.
ولا تتوقف الخيارات عند السوق الأوروبية، فالملابس التي يصعب بيعها في بلدها الأصلي قد تنتقل إلى أسواق خارجية عبر الموزعين أو تجار الجملة أو منافذ الخصومات التابعة للعلامات التجارية.
ولا توجد إحصاءات جمركية مستقلة تكشف حجم الملابس الجديدة غير المباعة التي تُصدّر بوصفها مخزون “أوتليت”، لأنها تسجل عادة ضمن الملابس الجديدة مثل غيرها.
لكن وجود شبكات واسعة لتجارة الملابس عالميا يجعل التصدير مسارا فعليا، وليس مجرد احتمال نظري.
وقد تجاوزت صادرات الاتحاد الأوروبي من المنسوجات المستعملة 1.44 مليون طن في عام 2025، بعدما زادت بأكثر من الضعف مقارنة بعام 2005.
وهذا الرقم لا يشمل الملابس الجديدة غير المباعة، لكنه يكشف حجم البنية التجارية واللوجستية القائمة لإعادة توزيع الملابس خارج أسواقها الأولى، خصوصًا نحو إفريقيا وآسيا.
بالنسبة للمستهلك الخليجي، قد يظهر أثر القرار في صورة توسع عروض المجموعات السابقة، وزيادة حضور متاجر “الأوتليت”، أو وصول مخزون أكبر عبر المنصات الإلكترونية وتجار التجزئة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار بصورة عامة.
فالشركات قد تختار مسارا آخر، وهو تقليل الإنتاج من البداية.
عندما يصبح فائض المخزون مكلفا ويصعب التخلص منه، ستصبح العلامات التجارية أكثر حذرًا في تحديد الكميات، وقد تتجه إلى تحسين توقعات الطلب، وإنتاج مجموعات أصغر، وتوسيع البيع حسب الطلب.
وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض حجم الفائض المتاح للتخفيضات، خصوصا في المنتجات الأكثر طلبا.
كما قد تحاول بعض الشركات نقل تكاليف التخزين والفرز والإصلاح وإعادة البيع إلى الأسعار أو إلى رسوم الإرجاع.
القطعة الأخيرة
عندما تفشل محاولات البيع، تبقى أمام الشركات خيارات التبرع أو التجديد أو إعادة الاستخدام أو إعادة التدوير.
لكن إعادة تدوير الملابس ليست عملية سهلة دائما، فكثير من القطع الحديثة تُصنع من خليط من القطن والبوليستر والألياف الأخرى، إلى جانب الأزرار والسحابات والمواد اللاصقة والأصباغ، ما يجعل فصل مكوناتها واستعادة ألياف عالية الجودة أمرًا مكلفًا ومعقدًا.
ولهذا تتحول نسبة من الملابس إلى منتجات أقل قيمة، مثل مواد العزل والحشو وخِرَق التنظيف، بدل أن تعود إلى السوق على هيئة ملابس جديدة.
ويسمح النظام الأوروبي بإتلاف المنتجات في حالات محدودة، مثل تلوثها أو وجود مخاطر صحية وسلامية أو تضررها بصورة تمنع إصلاحها وإعادة استخدامها أو تدويرها، أما انتهاء الموسم أو ضعف المبيعات فلا يكفيان لتبرير الإتلاف.
كما ستلزم الشركات بالإفصاح عن كميات المنتجات غير المباعة التي تتخلص منها، وأسباب التخلص، والوجهة التي انتقلت إليها. وبذلك سيخرج فائض المخزون من السجلات الداخلية للشركات إلى بيانات يمكن للسلطات والجمهور متابعتها.
العالم ينتج نحو 92 مليون طن من نفايات المنسوجات سنويًا، فيما تضاعف إنتاج الملابس عالميًا بين عامي 2000 و2015، بالتزامن مع تراجع مدة استخدام القطعة الواحدة.
لكن الحظر الأوروبي لا يعالج الملابس بعد تحولها إلى نفايات فقط، بل يضغط على المرحلة التي يبدأ عندها الفائض، من خلال قرار إنتاج كميات تفوق الطلب المتوقع.
وقد يؤدي القرار في المدى القريب إلى اتساع أسواق التخفيضات وإعادة البيع والتصدير.
أما على المدى الأبعد، فقد يدفع الشركات إلى تصنيع كميات أقل وإطالة فترة بيع المجموعات وتحسين إدارة المرتجعات.
أوروبا أغلقت المحرقة، لكنها لم تحدد وجهة واحدة للفائض.
وستتوزع الملابس التي لم تُبع بين التخفيضات ومتاجر “الأوتليت” وتجار الجملة والأسواق الخارجية والتبرع والتدوير.
أما التحول الأهم، فلن يكون في المكان الذي ستذهب إليه القطعة بعد انتهاء موسمها، بل في ما إذا كانت الشركات ستستمر أصلًا في إنتاج فائض كبير، بعدما لم يعد التخلص منه خيارا سهلا.
