+A
A-

الحزن على الشاعر علي عبدالله خليفة.. نبؤة مؤكدة

عندما دخلت صالة مسجد شيخان الفارسي لأداء واجب العزاء في شاعرنا الكبير علي عبدالله خليفة، كنت أعرف أنني سأمسك بخيط ممدود من الحزن، وسأسير في طريق مهجور في الأعماق. صالة.. ناس.. جدران.

​دخلت، وبعد تأدية واجب العزاء، جلست في مقابل رفقاء دربه: الأديب د. راشد نجم، والشاعر إبراهيم بوهندي، والأديب عبدالقادر عقيل، وآخرون توحدت فيهم أسرار الحزن. كانوا مختبئين تحت ظلال محطات الحزن؛ يقفون ويصافحون المعزين، ولكن من الداخل كان هناك نزيف منهمر مأخوذ من شتلة الوجع.

​أعرفهم واحداً واحداً؛ فقد ارتبطوا روحياً بالشاعر علي عبدالله خليفة منذ زمان بعيد، تقاسموا قيمة الحرف والكتابة، وصعدوا سفينة الفرح قبل المسافرين، وتسلقوا سلم الأمنيات والتطلعات في عالم الأدب والثقافة والإرث العظيم والميراث المجيد. استبسلوا معاً في جبهة الثقافة العربية، وشاركوا في رسم صورة الأدب البحريني المعاصر، وانتقلوا من صيغة البطل الفردي إلى صيغة البطل الجماعي، عاشوا معاً في مناخ من المعرفة والموهبة التي قدمت أدباً فاعلاً يؤثر في الجماهير.

​عندما صافحت د. راشد نجم، وكأنما رُفع عنه مفعول سحر مفاجئ أغلق فمه؛ تحدث إليّ مباشرة، إلا أنه قضم كلماته وسكت فجأة. ومن بعده عبدالقادر عقيل، وقد بانت على وجهه سحابات من الكدر، ويداه مثل ورقة مطوية؛ كان الألم واضحاً كنبؤة مؤكدة. شعرت حينها أنه كان بحاجة إلى كلمة مواساة، بذرة أمل تعيده إلى أقرب طريق للحياة! ولكن لا شيء غير الصمت والذهول، فقد تكور وجه السنين أمامه، وأخذ يحدق في ذكرياته مع "بوفهد" وأجفانه تصيح، وكأنه بي يقول: هل يعود الزمان بساعته لمعانقة رفيق الدرب والمشوار؟

​هكذا نعيش بعد رحيل الأحبة والأساتذة والأصدقاء؛ ظلمات فوق ظلمات تكبل عقولنا وتمنع عنا لذة الفرح، جمود يسمرنا في مكاننا، كتل من الأحزان لا نقوى على حملها.