2.03 مليار دينار إيرادات سياحية
تقرير: هل تنجح البحرين في إطالة مدة إقامة السائح؟
حققت السياحة البحرينية خلال السنوات الأخيرة قفزة نوعية في معظم المؤشرات الرئيسية لتؤكد مكانتها كأحد القطاعات الواعدة الداعمة للتنويع الاقتصادي في المملكة فقد ارتفعت الإيرادات السياحية من نحو 709 ملايين دينار في عام 2021 إلى أكثر من 2.03 مليار دينار في عام 2025 فيما ارتفع عدد الليالي السياحية من 8.09 ملايين ليلة إلى 20.18 مليون ليلة خلال الفترة ذاتها كما واصلت المملكة استقطاب أعداد متزايدة من الزوار مدفوعة بموقعها الجغرافي المتميز وتوسع الفعاليات والمعارض وتحسن البنية التحتية السياحية.
إلا أن هذه الصورة الإيجابية تخفي وراءها مؤشراً يستحق التوقف عنده وهو تراجع متوسط مدة إقامة السائح فبينما نجحت البحرين في زيادة أعداد الزوار وتعظيم الإيرادات السياحية انخفض متوسط مدة الإقامة من 3.54 ليلة في عام 2022 إلى 2.74 ليلة في عام 2025 ما يطرح تساؤلات حول قدرة القطاع على تعظيم العائد الاقتصادي من كل زائر وليس فقط زيادة عدد الوافدين.
وتكمن أهمية هذا المؤشر في أن القيمة الاقتصادية للسائح لا تقاس بعدد دخوله إلى المملكة فقط وإنما بعدد الليالي التي يقضيها داخلها وحجم الإنفاق المرتبط بهذه الإقامة فكل ليلة إضافية تعني طلباً أكبر على الفنادق والمطاعم والمقاهي ووسائل النقل والأسواق والأنشطة الترفيهية وبالتالي أثراً اقتصادياً أوسع على مختلف القطاعات المرتبطة بالسياحة.
أرقام قياسية تعكس قوة القطاع
تشير البيانات إلى أن القطاع السياحي البحريني سجل نمواً استثنائياً خلال السنوات الأربع الماضية فقد ارتفعت الإيرادات السياحية بنحو 186% بين عامي 2021 و2025 كما زادت الليالي السياحية بأكثر من 150% خلال الفترة نفسها.
هذه النتائج تعكس نجاح المملكة في استعادة النشاط السياحي بعد جائحة كورونا والاستفادة من الزخم الذي وفرته الفعاليات الرياضية والترفيهية وسياحة الأعمال والمعارض كما تؤكد نجاح الجهود الرامية إلى تعزيز مكانة البحرين كوجهة سياحية إقليمية قادرة على جذب الزوار من مختلف الأسواق الخليجية.
غير أن قراءة هذه الأرقام من زاوية أخرى تكشف أن نمو القطاع لم يكن نتيجة ارتفاع مدة إقامة السائح بل جاء بصورة رئيسية نتيجة زيادة أعداد الزوار فعدد الليالي السياحية ارتفع لأن عدد الزوار ارتفع بوتيرة أكبر وليس لأن السائح الواحد أصبح يقضي وقتاً أطول داخل المملك.وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد السياحي البحريني نجاح واضح في جذب الزوار يقابله تراجع في متوسط مدة بقائهم.
هيمنة السوق الخليجي
لفهم أسباب هذه الظاهرة لا بد من النظر إلى تركيبة الأسواق السياحية التي تعتمد عليها البحرين فبيانات الزوار الوافدين حسب بلد الإقامة تشير إلى أن المملكة العربية السعودية استحوذت في عام 2025 على نحو 13.1 مليون زائر أي ما يعادل 86.3% من إجمالي الزوار الوافدين إلى البحرين.
ومع إضافة بقية دول مجلس التعاون الخليجي ترتفع حصة الزوار الخليجيين إلى ما يقارب 97.6% من إجمالي الزوار وهو ما يجعل البحرين واحدة من أكثر الوجهات السياحية الخليجية اعتماداً على السوق الإقليمي القريب.
اقتصادياً يمثل هذا الأمر نقطة قوة كبيرة إذ يوفر تدفقات سياحية مستقرة وقريبة جغرافياً وأقل تأثراً بالتقلبات العالمية إلا أن هذه الميزة تحمل في الوقت ذاته تحدياً يتمثل في طبيعة هذه الزيارات حيث يميل جزء كبير من الزوار الخليجيين إلى القيام برحلات قصيرة أو زيارات متكررة خلال عطلات نهاية الأسبوع ما يحد بطبيعته من متوسط مدة الإقامة.
وبالتالي فإن تراجع مدة الإقامة لا يرتبط بضعف الجاذبية السياحية بقدر ما يرتبط بطبيعة السوق المستهدفة وهيكل الطلب السياحي في المملكة.
جسر الملك فهد محرك النمو والتحدي
تتضح هذه الصورة بصورة أكبر عند تحليل بيانات وسائل الدخول إلى المملكة ففي عام 2025 دخل نحو 13.43 مليون زائر عبر جسر الملك فهد وهو ما يمثل 88.5% من إجمالي الزوار.
ولا شك أن الجسر يمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية والسياحية للبحرين إذ وفر للمملكة وصولاً مباشراً إلى أكبر سوق سياحي في المنطقة كما ساهم في تعزيز حركة التسوق والترفيه والفعاليات وسياحة عطلات نهاية الأسبوع.
لكن في المقابل فإن سهولة الوصول تعني أيضاً سهولة العودة فالكثير من الزوار لا يحتاجون إلى إقامة طويلة بل يستطيعون زيارة المملكة والعودة إلى مدنهم في اليوم نفسه أو بعد ليلة واحدة فقط.
ومن هنا يمكن القول إن الجسر كان عاملاً رئيسياً في رفع أعداد الزوار لكنه في الوقت نفسه ساهم في تكريس نموذج السياحة قصيرة الإقامة لذلك فإن التحدي المستقبلي لا يكمن في زيادة أعداد مستخدمي الجسر بل في تحويل نسبة أكبر منهم إلى نزلاء في الفنادق ومستهلكين لخدمات سياحية تمتد لأكثر من يوم.
كل ليلة إضافية تساوي قيمة اقتصادية أكبر
تتضح أهمية مدة الإقامة بصورة أكبر عند النظر إلى بيانات الإنفاق السياحي ففي عام 2025 بلغ متوسط إنفاق زائر اليوم الواحد نحو 60.1 دينار، مقابل 77.2 دينار للسائح المبيت.
وهذا يعني أن السائح الذي يقضي ليلة داخل البحرين لا يضيف فقط إشغالاً فندقياً إضافياً بل ينفق يومياً أكثر بنحو 17 ديناراً مقارنة بزائر اليوم الواحد.
وعند احتساب متوسط مدة الإقامة البالغ 2.74 ليلة فإن السائح المبيت ينفق نحو 211 ديناراً خلال الرحلة الواحدة ولو ارتفع متوسط الإقامة إلى 3.5 ليلة فقط مع المحافظة على مستوى الإنفاق الحالي فإن متوسط الإنفاق لكل سائح سيرتفع إلى نحو 270 ديناراً للرحلة الواحدة.
وتشير هذه الحسابات إلى أن زيادة مدة الإقامة قد تكون من أكثر الأدوات كفاءة لتعظيم العائد الاقتصادي من القطاع السياحي خصوصاً أن استقطاب زوار جدد يتطلب استثمارات تسويقية وبنية تحتية أكبر بينما يمكن تحقيق جزء من النمو عبر زيادة القيمة الاقتصادية للزائر الحالي.
من النمو الكمي إلى النمو النوعي
خلال السنوات الماضية نجحت البحرين في تحقيق المرحلة الأولى من النمو السياحي والمتمثلة في زيادة عدد الزوار واستعادة النشاط السياحي بعد الجائحة إلا أن المرحلة المقبلة تبدو مختلفة في طبيعتها وأهدافها.
فالتجارب الدولية الناجحة في القطاع السياحي لا تقيس نجاحها بعدد السياح فقط بل تركز بصورة متزايدة على متوسط مدة الإقامة ومتوسط الإنفاق والعائد الاقتصادي لكل زائر.
ومن هذا المنطلق تبدو البحرين اليوم أمام فرصة للانتقال من مرحلة النمو الكمي إلى مرحلة النمو النوعي وذلك من خلال تعزيز المنتجات السياحية التي تشجع الزوار على البقاء لفترات أطول وتنويع الأسواق السياحية وزيادة مساهمة سياحة الأعمال والمؤتمرات والمعارض والفعاليات الكبرى.
كما يمكن لمركز البحرين العالمي للمعارض والمؤتمرات أن يلعب دوراً محورياً في هذا التحول خاصة أن زوار المؤتمرات والمعارض عادة ما يقيمون لفترات أطول وينفقون بمعدلات أعلى من المتوسط العام.
التحدي الجديد للسياحة البحرينية
لا تشير البيانات إلى وجود مشكلة في القطاع السياحي البحريني بل على العكس تؤكد نجاحه في تحقيق نمو قوي خلال السنوات الأخيرة غير أن الأرقام تكشف في الوقت ذاته عن تحول في طبيعة التحديات التي يواجهها القطاع.
فبعد أن كان الهدف يتمثل في استقطاب مزيد من الزوار أصبح التحدي اليوم يتمثل في تعظيم العائد الاقتصادي من هؤلاء الزوار وبعبارة أخرى انتقل السؤال من كم عدد السياح الذين يزورون البحرين؟ إلى كم ليلة يقضون؟ وكم ينفقون خلال إقامتهم؟”
وفي ظل استمرار النمو في أعداد الزوار والإيرادات السياحية تبدو زيادة مدة الإقامة واحدة من أهم الفرص الاقتصادية المتاحة أمام القطاع خلال السنوات المقبلة فكل ليلة إضافية لا تعني فقط زيادة في إشغال الفنادق بل تمثل إنفاقاً إضافياً وفرص عمل أكبر ونشاطاً اقتصادياً أوسع يمتد إلى مختلف القطاعات المرتبطة بالسياحة.
وعليه فإن نجاح البحرين السياحي في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد الزوار الذين تعبر بهم الحدود بل بقدرتها على تحويل الزيارة القصيرة إلى تجربة سياحية متكاملة تدفع السائح للبقاء فترة أطول وتحقيق قيمة اقتصادية أكبر للاقتصاد الوطني.
