مما لا شك فيه أن الأزمات الاقتصادية، في ظاهرها، تُقاس بمؤشرات رقمية بحتة، من معدلات التضخم إلى نسب البطالة، ومن تراجع القوة
الشرائية إلى تقلبات الأسواق، غير أن هذه المؤشرات، على أهميتها، لا تعكس كامل الصورة، ولا تُظهر بالقدر الكافي ما تتركه تلك الأزمات من
آثار عميقة في النفس الإنسانية. ولا ريب أن الاقتصاد، وإن بدا في ظاهره علمًا للأرقام، فإنه في جوهره علم يتعلق بالإنسان، بسلوكه، واستقراره، وقدرته على التكيف مع الضغوط المتغيرة.
فالضغوط الاقتصادية، حين تتراكم، لا تقف عند حدود العجز عن الوفاء بالالتزامات، أو التراجع في مستوى المعيشة، بل تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، لتُحدث نوعًا من “الإجهاد المالي” الذي أصبح اليوم أحد المفاهيم الحديثة في الدراسات الاقتصادية والاجتماعية وهذا الإجهاد لا ينشأ فقط من قلة الموارد، وإنما كذلك من الشعور بعدم الأمان، والخوف من المستقبل، والقلق المستمر من العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية.
وإذا كان الفرد في السابق يواجه أزمات محدودة الأثر، فإن الواقع المعاصر يشهد تداخلًا معقدًا بين العوامل الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لم تعد الضغوط المالية مجرد ظرف عابر، بل أصبحت حالة ممتدة، قد تطول مختلف الفئات، من أصحاب الدخول المحدودة، إلى الطبقة المتوسطة، بل وحتى بعض أصحاب الأعمال. وهو ما يجعل من الضروري النظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها قضية إنسانية بقدر ما هي قضية اقتصادية.
وفي هذا السياق، تتجلى خطورة الأمر في أن كثيرًا من هذه الضغوط تُمارس في صمت، دون أن تجد طريقها إلى الإفصاح أو المعالجة، خاصة في المجتمعات التي لا تزال تنظر إلى المعاناة النفسية بنوع من التحفظ أو التردد. فيجد الفرد نفسه محاصرًا بين التزاماته المالية من جهة، وغياب الدعم الكافي من جهة أخرى، فينشأ نوع من العزلة النفسية التي قد تتفاقم بمرور الوقت.
ولا يمكن إغفال أن الديون، على وجه الخصوص، تمثل أحد أبرز مصادر هذا الضغط، إذ تتحول من مجرد التزام مالي إلى عبء نفسي مستمر، يلازم صاحبه في تفاصيل حياته اليومية. فالمطالبة بالسداد، وإجراءات التحصيل، وما قد يصاحبها من تهديدات قانونية، كلها عوامل تضاعف من حدة التوتر، وتُدخل الفرد في دائرة من القلق المتصاعد، خاصة إذا ما شعر بانسداد الأفق وعدم القدرة على الخروج من هذا الوضع.
وإذا انتقلنا إلى الواقع في دول الخليج، نجد أن العديد من هذه الدول قد اتخذت خطوات متقدمة في مجال الحماية الاجتماعية، من خلال برامج الدعم، وتطوير أنظمة العمل، وتعزيز الاستقرار الوظيفي، فضلًا عن تحديث تشريعات الإفلاس وإعادة الهيكلة، بما يسمح للأفراد والشركات بإعادة ترتيب أوضاعهم المالية. غير أن هذه الجهود، على أهميتها، تظل في كثير من الأحيان مركزة على الجانب المالي أو الإداري، دون أن تمتد بالقدر الكافي إلى معالجة الأثر النفسي المصاحب للأزمات الاقتصادية.
أما في مصر، فإن الضغوط الاقتصادية التي شهدتها السنوات الأخيرة، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، قد ألقت بظلالها على شريحة واسعة من المجتمع، وهو ما انعكس في زيادة معدلات القلق المرتبط بالوضع المالي، خاصة في ظل محدودية أدوات الدعم، واتساع الفجوة بين الدخل ومتطلبات المعيشة وهو ما يستدعي إعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، بحيث لا تقتصر على معالجة المؤشرات الكلية، بل تمتد لتشمل الإنسان في حياته اليومية.
ومن زاوية قانونية، يثور تساؤل بالغ الأهمية: إلى أي مدى تراعي التشريعات القائمة هذا البعد الإنساني؟ وهل ينظر القانون إلى المدين بوصفه طرفًا ملتزمًا فحسب، أم كإنسان قد يمر بظروف قاهرة تستوجب نوعًا من التوازن في المعالجة؟
إن القواعد القانونية، في كثير من الأحيان، تنطلق من مبدأ القوة الملزمة للالتزامات، وهو مبدأ لا غنى عنه لاستقرار المعاملات، غير أن التطبيق الجامد لهذا المبدأ، دون مراعاة للظروف الاستثنائية، قد يؤدي إلى نتائج قاسية، تتجاوز حدود العدالة المنشودة ومن هنا برزت الحاجة إلى تطوير أدوات قانونية أكثر مرونة، مثل أنظمة الإفلاس للأفراد، وإعادة جدولة الديون، ووقف بعض الإجراءات التنفيذية في حالات معينة، بما يحقق قدرًا من التوازن بين حقوق الدائنين وحماية المدينين.
ولا يخفى أن تجاهل هذا البعد الإنساني قد يؤدي، في بعض الحالات، إلى دفع الأفراد نحو قرارات مأساوية، لا تعكس فقط فشلًا فرديًا، بل تكشف عن خلل أعمق في المنظومة الاقتصادية والاجتماعية ككل. فحين يشعر الإنسان بأنه محاصر بلا مخرج، وأن الأعباء تفوق قدرته على الاحتمال، فإن ذلك يمثل إنذارًا بضرورة التدخل، ليس فقط من خلال الدعم المالي، بل كذلك عبر آليات نفسية واجتماعية وقانونية متكاملة.
ومن ثم، فإن التعامل مع الضغوط الاقتصادية يجب ألا يقتصر على معالجتها بوصفها أزمة أرقام، بل ينبغي النظر إليها كأزمة إنسانية تتطلب استجابة شاملة، تشارك فيها السياسات الاقتصادية، والتشريعات القانونية، ومؤسسات المجتمع، على نحو يضمن الحفاظ على كرامة الإنسان واستقراره.
رؤية قانونية
لعل المرحلة القادمة تفرض على النظم القانونية في دول الخليج ومصر تبني مقاربة أكثر شمولًا في التعامل مع الأزمات الاقتصادية، تقوم على دمج البعد الإنساني في صميم التشريع، بحيث لا تقتصر القوانين على تنظيم الالتزامات، بل تمتد لتوفير آليات حماية واقعية للأفراد في مواجهة الضغوط المالية وذلك من خلال تطوير تشريعات الإفلاس للأفراد، وتعزيز نظم التسوية الودية، ووضع ضوابط متوازنة لإجراءات التنفيذ، بما يحقق العدالة دون أن يتحول القانون إلى مصدر إضافي للضغط.
فالقانون، في نهاية المطاف، لم يُوضع فقط لحماية المعاملات، بل لحماية الإنسان ذاته، وهو ما يقتضي أن يكون أكثر حساسية للواقع، وأكثر قدرة على الاستجابة لتحدياته، حتى يظل أداة لتحقيق الاستقرار، لا سببًا في فقدانه.
* مستشار مصري مقيم في سلطنة عمان