العدد 6346
السبت 28 فبراير 2026
في موسم العطاء... من يراقب صناديق التبرعات
السبت 28 فبراير 2026

مع حلول شهر رمضان، تتجدد مشاعر العطاء وتتسع دوائر التكافل الاجتماعي، فتزدحم المساجد والجمعيات والمنصات الرقمية بحملات التبرع، وتزداد المبادرات الفردية والجماعية لدعم الفئات الأكثر احتياجًا. هذا الزخم الإنساني يعكس عمق القيم الدينية والاجتماعية في مجتمعاتنا، ويؤكد أن العمل الخيري يشكل ركيزة أساسية في البناء المجتمعي.

غير أن هذا التدفق المالي الموسمي، الذي قد يصل إلى أرقام ضخمة خلال أسابيع قليلة، يطرح تساؤلًا قانونيًّا مشروعًا: كيف يمكن ضمان وصول التبرعات إلى مستحقيها؟ ومن يراقب حركة الأموال المتدفقة باسم الخير؟ وهل الرقابة تمثل تقييدًا للعطاء أم حماية له؟

المعادلة هنا دقيقة فالثقة هي روح العمل الخيري، لكن الثقة وحدها لا تكفي في عالم تتعقد فيه المعاملات المالية وتتعدد فيه أدوات التحايل.

التبرع بين المبادرة الفردية والالتزام المؤسسي
العمل الخيري في صورته التقليدية كان يعتمد على المبادرات المباشرة، حيث يعرف المتبرع الجهة أو الشخص المستفيد غير أن التطور المؤسسي واتساع نطاق العمل الأهلي أديا إلى ظهور كيانات منظمة تدير موارد مالية كبيرة، وتنفذ مشروعات اجتماعية وصحية وتعليمية عابرة للمدن بل والحدود.

هذا التحول من المبادرة الفردية إلى الكيان المؤسسي أوجد حاجة ملحة لإطار تنظيمي يحدد شروط جمع التبرعات، وآليات الصرف، ومتطلبات الإفصاح والشفافية. فكلما اتسع نطاق النشاط، تعاظمت المسؤولية، وأصبح من الضروري إخضاعه لقواعد محاسبية ورقابية واضحة.

في مصر، كما في دول مجلس التعاون الخليجي، تخضع عمليات جمع التبرعات لإجراءات ترخيص وإشراف من الجهات المختصة، سواء عبر وزارات التضامن أو الشؤون الاجتماعية أو الهيئات التنظيمية المعنية بالعمل الأهلي. ويهدف هذا الإطار إلى ضمان مشروعية الجمع، ومنع استغلال العاطفة الدينية في تمرير ممارسات غير قانونية.

مخاطر الجمع العشوائي في العصر الرقمي
مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية، أصبح من السهل إطلاق حملة تبرعات خلال دقائق، والوصول إلى آلاف الأشخاص دون رقابة مسبقة. هذه السهولة، رغم إيجابياتها في تسريع الدعم، فتحت الباب كذلك أمام حملات وهمية أو غير مرخصة، تستغل تعاطف الجمهور لتحقيق مكاسب شخصية.

التحويلات الإلكترونية الفورية، والمحافظ الرقمية، والروابط المختصرة، كلها أدوات قد تُستخدم في سياق مشروع، لكنها قد تتحول أيضًا إلى وسيلة للاحتيال أو حتى لغسل الأموال. وفي بعض الحالات، قد تُجمع أموال ضخمة دون وجود سجل محاسبي واضح أو آلية تضمن توجيهها للغرض المعلن.

الخطورة لا تكمن فقط في ضياع أموال المتبرعين، بل في اهتزاز الثقة العامة في العمل الخيري ككل. فعندما تتكرر حالات الاستغلال، يصبح المتبرع أكثر ترددًا، ويخسر المجتمع أحد أهم مصادر التكافل.

الرقابة كضمان للشفافية لا كقيد على الخير
يُساء أحيانًا فهم الرقابة على أنها تدخل في النوايا أو تضييق على المبادرات، غير أن جوهر التنظيم القانوني يتمثل في حماية العمل الخيري من الانحراف، وصون سمعته من الشبهات. فالترخيص المسبق، واشتراط فتح حسابات مصرفية مخصصة للتبرعات، وإلزام الجهات بتقديم تقارير مالية دورية، كلها أدوات تهدف إلى تعزيز الشفافية.

الرقابة الفعالة لا تعني التعقيد البيروقراطي، بل تعني وجود قواعد واضحة، وسرعة في منح التصاريح، ونظام متابعة يعتمد على الإفصاح والمراجعة الدورية. كما أن نشر تقارير دورية عن أوجه الصرف يسهم في تعزيز ثقة المتبرعين، ويحول دون الشكوك.

التوازن المطلوب يقتضي أن تكون الرقابة ذكية ومرنة، بحيث تمنع الاستغلال دون أن تقتل روح المبادرة.

المسؤولية الجنائية عند إساءة استخدام التبرعات
عندما يُساء استخدام أموال التبرعات، فإن الأمر لا يظل في نطاق المخالفة الإدارية فحسب، بل قد يرتقي إلى مستوى الجريمة. فالاستيلاء على أموال جُمعت لغرض خيري، أو توجيهها إلى غير ما أُعلنت له، يشكل اعتداءً على الثقة العامة، ويستوجب مساءلة جنائية.

كما أن جمع التبرعات دون ترخيص، أو استخدام وسائل احتيالية للإيهام بوجود نشاط خيري غير حقيقي، قد يندرج ضمن جرائم النصب أو غسل الأموال، خاصة إذا تم توظيف الأموال في أنشطة غير مشروعة.
القانون هنا لا يعاقب على فعل الخير، بل يعاقب على استغلاله. والتمييز واضح بين الخطأ الإداري الذي يمكن تصحيحه، وبين السلوك المتعمد الذي ينطوي على غش أو تضليل.

التكنولوجيا كأداة رقابة حديثة
كما استُخدمت التكنولوجيا في تسهيل جمع التبرعات، يمكن استخدامها كذلك في تعزيز الرقابة فأنظمة التتبع المالي، والتحويلات عبر قنوات مصرفية رسمية، والتوثيق الإلكتروني، كلها أدوات تقلل من فرص التلاعب.
بعض الدول اتجهت إلى إطلاق منصات رسمية موحدة لجمع التبرعات، تخضع لإشراف مباشر، بما يضمن وصول الأموال إلى مستحقيها وفق آليات واضحة. هذا النموذج يجمع بين سهولة التبرع وسلامة المسار المالي.
التحول الرقمي، إذا أُحسن توظيفه، يمكن أن يكون حليفًا للشفافية بدل أن يكون ثغرة للانحراف.

بين الثقة والامتثال
الثقة تظل العنصر الأهم في العمل الخيري، لكنها لا تتعارض مع الامتثال للقانون. بل إن الامتثال يعزز الثقة ويمنحها أساسًا موضوعيًّا. فالمتبرع الذي يعلم أن أمواله تخضع لرقابة ومراجعة سيكون أكثر استعدادًا للعطاء، وأقل عرضة للتردد.
كما أن الجهات الخيرية الملتزمة بالحوكمة الرشيدة لا ينبغي أن تنظر إلى التنظيم باعتباره عبئًا، بل باعتباره درعًا يحميها من الشبهات ويعزز مصداقيتها.

رؤية قانونية
تنظيم جمع التبرعات في موسم العطاء ليس تقييدًا للخير، بل حماية له من الانحراف. فالإطار القانوني الرشيد يقوم على تسهيل العمل الخيري المشروع، وتشديد الرقابة على الممارسات غير المرخصة، وفرض شفافية مالية واضحة تضمن تتبع الأموال من المصدر إلى المصرف.

المعادلة الناجحة تقتضي تشريعًا واضحًا، وإجراءات ترخيص سريعة، ورقابة رقمية فعالة، إلى جانب وعي مجتمعي يحث المتبرعين على التحقق من مشروعية الجهات قبل التحويل. فالعاطفة وحدها لا تكفي في بيئة مالية معقدة، والنية الصالحة لا تعفي من ضرورة الضبط.

في موسم العطاء، يزداد الخير وتتعاظم المسؤولية والقانون، حين يُطبق بحكمة، لا يقف في وجه الكرم، بل يصونه من أن يتحول إلى مدخل للاستغلال فحماية أموال التبرعات هي في جوهرها حماية لثقة المجتمع، وضمان لاستمرار أحد أنبل صور التضامن الإنساني. 

*مستشار قانوني مصري مقيم في سلطنة عمان

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .