العدد 6325
السبت 07 فبراير 2026
مع الأزمات الاقتصادية.. القانون والاستعداد للمجهول
السبت 07 فبراير 2026

مما لا شك فيه أن العالم لم يعد يسير وفق قواعد الاستقرار التقليدية التي صيغت على أساسها أغلب التشريعات الوطنية؛ فالأحداث المتسارعة، والتقلبات الجيوسياسية، والأزمات الصحية والاقتصادية، والتحولات الاجتماعية المفاجئة، جميعها كشفت عن حقيقة مفادها أن القانون، في كثير من الأحيان، يأتي متأخرًا عن الواقع، ويجد نفسه في موقع ردّ الفعل بدلًا من الفعل الاستباقي. ومن هنا يثور التساؤل الجوهري:

أنحن أمام قوانين قادرة على التعامل مع المجهول، أم أمام نصوص أُعدّت لعالم لم يعد موجودًا؟

ولا ريب في أن فكرة “المجهول” لم تعد استثناءً طارئًا، بل تحولت إلى جزء أصيل من المشهد العالمي، وهو ما يفرض إعادة النظر في فلسفة التشريع ذاتها، والانتقال من منطق المعالجة اللاحقة إلى منطق الاستعداد السابق وإدارة المخاطر.

القانون بين ردّ الفعل والتشريع الاستباقي

تقليديًا، نشأت القوانين كرد فعل لوقائع محددة؛ جريمة وقعت فصدر التجريم، أزمة ظهرت فصدر التنظيم، خلل انكشف فتمت المعالجة هذا النموذج، وهذا رغم أهميته التاريخية، أصبح قاصرًا عن مجاراة واقع سريع التغيّر، حيث تتجاوز الأحداث قدرة النصوص الجامدة على الاحتواء.

فالتشريع القائم على ردّ الفعل غالبًا ما يصل بعد أن تكون الأضرار قد وقعت، والثقة قد اهتزت، والفراغ القانوني قد استُغل. وفي المقابل، يبرز مفهوم التشريع الاستباقي بوصفه أداة قانونية تهدف إلى توقع السيناريوهات المحتملة، ووضع أطر تنظيمية مرنة قادرة على استيعاب المستجدات دون الحاجة إلى تدخل تشريعي طارئ في كل مرة.

إدارة المخاطر كوظيفة قانونية أصيلة

لم يعد دور القانون مقتصرًا على ضبط السلوك أو تنظيم العلاقات، بل امتد ليشمل إدارة المخاطر المجتمعية؛ فالقانون الحديث يُفترض فيه أن يحدّد مصادر الخطر المحتملة، ويضع آليات للتعامل معها قبل وقوعها، ويُنشئ أدوات قانونية تسمح بالتدخل السريع دون الإخلال بالمشروعية.

وتتجلى هذه الوظيفة في تشريعات الطوارئ، وقوانين الدفاع المدني، والتنظيمات الاقتصادية الوقائية، بل حتى في القواعد المنظمة للحوكمة والشفافية، غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذه القوانين، وإنما في مدى وضوحها، وضبطها، وحدود استخدامها حتى لا تتحول من أدوات حماية إلى ذرائع للتوسع غير المبرر.

مرونة النصوص وحدود السلطة التقديرية

إذ يُطالب القانون اليوم بالمرونة، فإن هذه المرونة لا تعني الغموض أو إطلاق يد السلطة التنفيذية دون قيود؛ فالتشريع الذكي هو الذي يوازن بين مرونة النص القادرة على استيعاب المستجدات، وصرامة المبدأ التي تحمي الحقوق وتمنع الانحراف.

ومن هنا تبرز أهمية ضبط السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة، ووضع معايير واضحة لممارستها، وآليات رقابية فعّالة تضمن عدم إساءة استخدامها تحت ذريعة مواجهة المجهول؛ فالتجربة أثبتت أن أخطر ما يواجه سيادة القانون ليس غياب النص، بل سوء توظيف النص في لحظات الأزمات.

الاستثناءات القانونية بين الضرورة والانحراف

لا خلاف على أن الأزمات الاستثنائية قد تفرض حلولًا استثنائية، إلا أن الإشكال يظهر حين تتحول الاستثناءات إلى قاعدة دائمة، أو حين تُستخدم الضرورة كغطاء لتقويض الضمانات القانونية، وهنا يصبح السؤال مشروعًا: من يحدد حدود الضرورة؟ وهل تظل هذه الحدود خاضعة لرقابة قضائية حقيقية؟

إن دولة القانون لا تُقاس بقدرتها على سنّ الاستثناءات، بل بقدرتها على العودة السريعة إلى الأصل بعد زوال الظرف الاستثنائي، وبمدى احترامها لمبدأ التناسب بين الخطر والإجراء المتخذ.

المواطن في مواجهة المجهول

في قلب هذا المشهد يقف المواطن، باعتباره الطرف الأكثر تأثرًا بالأزمات وأدوات إدارتها؛ فالأمن القانوني للمواطن لا يعني فقط وجود نصوص تحميه في الظروف العادية، بل يعني بالأساس وضوح القواعد في أوقات الاضطراب، وقابلية التوقع القانوني، وعدم المفاجأة بإجراءات غير مفهومة أو غير مبررة.

ولا ريب في أن فقدان الثقة بالقانون خلال الأزمات أخطر من الأزمة ذاتها؛ لأنه يترك أثرًا طويل الأمد على العلاقة بين الفرد والدولة، ويقوّض الشعور بالمشروعية حتى بعد عودة الاستقرار.

نماذج مقارنة وتجارب معاصرة

تُظهر بعض التجارب الدولية أن التشريع الاستباقي لا يقوم على الإكثار من القوانين، بل على جودة الصياغة ووضوح الفلسفة التشريعية؛ فالدول التي نجحت في إدارة الأزمات لم تكن بالضرورة الأكثر تشريعًا، وإنما الأكثر استعدادًا من حيث وضوح توزيع الاختصاصات، وتفعيل الرقابة البرلمانية والقضائية، وإشراك الخبرات الفنية في صناعة القرار القانوني.

وفي السياق الخليجي، برز توجه متنامٍ نحو تحديث التشريعات، وإدخال مفاهيم الحوكمة وإدارة المخاطر، وهو توجه محمود، لكنه يظل بحاجة إلى ترسيخ ثقافة التشريع الوقائي بدل الاكتفاء بالمعالجة اللاحقة.

رؤية قانونية

مما لا شك فيه أن الاستعداد للمجهول لم يعد ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر، غير أن هذا الاستعداد لا يتحقق عبر نصوص فضفاضة أو سلطات مطلقة، وإنما عبر تشريع ذكي يقوم على ثلاث ركائز أساسية:

أولًا: الوضوح، بحيث تكون القواعد معروفة وقابلة للتوقع حتى في الظروف الاستثنائية.

ثانيًا: المرونة المنضبطة، التي تسمح بالتعامل مع المتغيرات دون الإخلال بالمبادئ الدستورية.

ثالثًا: الرقابة الفعّالة، ضمانًا لعدم انحراف السلطة أو استغلال المجهول ذريعة للمساس بالحقوق. إن القانون القادر على مواجهة المجهول هو القانون الذي يحترم الإنسان قبل الحدث، ويحمي المشروعية قبل الإجراء، ويُدرك أن إدارة الأزمات لا تكون بالخروج على دولة القانون، بل بتعميقها؛ فالدولة القوية ليست تلك التي تُكثر من الاستثناءات، وإنما تلك التي تملك من النضج التشريعي ما يجعلها مستعدة لما لا يمكن التنبؤ به، دون أن تفقد بوصلتها القانونية.

 

* مستشار مصري مقيم في عُمان

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .