العدد 6369
الإثنين 23 مارس 2026
من مضيق هرمز قد يبدأ تسونامي أسعار الغذاء.. الخطر الأكبر ليس النفط
الإثنين 23 مارس 2026

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات الجيوسياسية في منطقة الخليج، تتجه أنظار العالم فورًا إلى النفط. مضيق هرمز يُعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث يمر عبره يوميًا ما يزيد على 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية. ولهذا السبب، فإن أي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه يثير قلقًا فوريًا في الأسواق العالمية، ويرفع التوقعات بحدوث صدمة في أسعار الطاقة، وهذا ما حدث حتى الآن.
لكن الحقيقة التي قد يغفل عنها كثيرون أن الخطر الأكبر قد لا يكون في النفط وحده… بل في الغذاء،
فعلى سطح المياه نفسها التي تعبرها ناقلات النفط، تتحرك سفن أخرى أقل حضورًا في العناوين الإخبارية، لكنها تحمل مواد لا تقل أهمية عن النفط بالنسبة للاقتصاد العالمي: الأسمدة. الخليج العربي ليس مجرد منطقة غنية بالنفط، بل هو أيضًا أحد أهم مراكز إنتاج الأسمدة النيتروجينية في العالم. فبفضل وفرة الغاز الطبيعي منخفض التكلفة، استطاعت دول المنطقة تطوير صناعة ضخمة لإنتاج الأمونيا واليوريا، وهما مادتان أساسيتان تعتمد عليهما الزراعة الحديثة لرفع إنتاجية المحاصيل.
بعبارة أخرى، كثير من المحاصيل التي تصل إلى موائد العالم، من القمح إلى الذرة والأرز، تعتمد بشكل مباشر على الأسمدة التي تُنتج في هذه المنطقة.
لكن المشكلة الكبرى تكمن في نقطة جغرافية واحدة: مضيق هرمز.
فهذا الممر البحري الضيق لا يمثل فقط طريقًا حيويًا لنقل النفط، بل هو أيضًا أحد أهم الطرق التي تمر عبرها صادرات الأسمدة القادمة من الخليج إلى الأسواق العالمية في آسيا وإفريقيا وأوروبا. وفي حال حدوث تصعيد جيوسياسي كبير أو تعطل الملاحة في المضيق، فإن آلاف الأطنان من الأسمدة قد تجد نفسها محاصرة في البحر دون طريق بديل فعلي. وهنا تبدأ القصة التي قد لا يدركها كثيرون..
الزراعة ليست مثل الأسواق المالية التي يمكنها الانتظار أو تأجيل القرارات. فالموسم الزراعي تحكمه دورات بيولوجية دقيقة، لكل مرحلة فيها توقيت محدد لا يمكن تجاوزه بسهولة. ومن أهم هذه المراحل مرحلة التسميد التي تحدد بشكل مباشر حجم الإنتاج المتوقع للمحصول. إذا فات موعد التسميد في الوقت المناسب، فإن إنتاجية المحاصيل تنخفض بشكل واضح، وقد تصل الخسائر في بعض الحالات إلى ما يقارب 30 إلى 40 % من الإنتاج. لذلك، فإن أي اضطراب في إمدادات الأسمدة لا يظهر تأثيره فورًا على رفوف المتاجر، بل يبدأ في التسلل تدريجيًا إلى الاقتصاد العالمي. ففي البداية، تقفز أسعار الأسمدة في الأسواق العالمية نتيجة نقص الإمدادات وارتفاع المخاطر. ثم ترتفع تكاليف الشحن والتأمين البحري بسبب التوترات في المنطقة، ما يضيف ضغوطًا إضافية على سلسلة الإمداد الزراعية
بعد ذلك، يبدأ المزارعون حول العالم في مواجهة معضلة صعبة: إما شراء الأسمدة بأسعار مرتفعة جدًا، أو تقليل استخدامها. 
وفي كلتا الحالتين تكون النتيجة واحدة: انخفاض الإنتاج الزراعي.
وللتاريخ شواهد واضحة على هذا النوع من الصدمات. ففي أحداث 2007 - 2008 ارتفعت أسعار الحبوب والمواد الغذائية بشكل حاد نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة واضطراب سلاسل الإمداد، ما أدى إلى قفزات كبيرة في أسعار القمح والذرة، وأشعل اضطرابات اجتماعية في عدد من الدول. لكن التأثير الأكبر لم يظهر في الأيام الأولى للأزمة، بل جاء تدريجيًا بعد أشهر عندما بدأت المحاصيل الأقل إنتاجًا في الوصول إلى الأسواق. وهذا هو السيناريو الذي يخشاه الاقتصاديون اليوم..
فبعد اثني عشر شهرًا من أي اضطراب كبير في إمدادات الأسمدة، تبدأ موجة ارتفاعات واسعة في أسعار الغذاء. في البداية ترتفع أسعار الحبوب، ثم تمتد الموجة إلى الخبز والمنتجات الغذائية الأساسية، وبعد ذلك إلى اللحوم والدواجن نتيجة ارتفاع تكلفة الأعلاف. في علم الاقتصاد تُعرف هذه الظاهرة باسم Agflation التضخم الزراعي، وهو أحد أخطر أنواع التضخم لأنه يضرب مباشرة أساس الحياة اليومية للإنسان، والغذاء. وخلافًا لتقلبات النفط أو أسواق الأسهم، فإن تضخم الغذاء يحمل تأثيرًا اجتماعيًا وسياسيًا أكبر بكثير، لأنه يمس كل بيت وكل أسرة.
وعندما ترتفع أسعار الغذاء عالميًا، فإن الدول الفقيرة والنامية تكون الأكثر تضررًا. ففي كثير من هذه الدول يشكل الغذاء نسبة كبيرة من دخل الأسر، ما يجعل أي ارتفاع في الأسعار عبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا. ولهذا السبب، فإن صدمات الغذاء في التاريخ كانت دائمًا من بين أكثر العوامل التي تؤدي إلى اضطرابات اقتصادية واجتماعية. من هنا يمكن فهم لماذا ينظر الاقتصاديون بقلق إلى أي اضطراب محتمل في الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز.
فالعالم قد يستطيع التكيف مع ارتفاع أسعار النفط لبعض الوقت من خلال المخزونات الاستراتيجية أو تنويع مصادر الطاقة. لكن أزمة الغذاء أصعب بكثير في المعالجة، لأن الزراعة تحتاج إلى الوقت، والمواسم لإعادة التوازن إلى الإنتاج. وفي نهاية المطاف، قد لا تكون ناقلات النفط هي السفن الوحيدة التي يجب أن يراقبها العالم في هذه المنطقة الحساسة. فالسفن التي تحمل الأسمدة قد تكون في الواقع أكثر تأثيرًا على استقرار الاقتصاد العالمي. ولهذا، عندما يتابع العالم أخبار التوترات في الخليج، ربما يكون من الحكمة ألا ينظر فقط إلى براميل النفط.. بل أيضًا إلى السفن التي تحمل ما قد يحدد في النهاية ثمن رغيف الخبز في العالم. فمن هذه المياه الضيقة قد لا تأتي فقط صدمة في الطاقة، بل ربما يبدأ منها تسونامي أسعار الغذاء الذي قد يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي لسنوات. 
تبقي منطقة الخليج محورا حساسا في توازن الاقتصاد العالمي. ليس فقط في مجال الطاقة، بل أيضا في أمن الغذاء العالمي وسلاسل الامداد الحيوية. وفي النهاية، نسأل الله أن يديم نعمة الاستقرار، وأن يحفظ مملكة البحرين ومنطقة الخليج من كل سوء.

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية