العدد 6349
الثلاثاء 03 مارس 2026
اقتصاد الوهم
الثلاثاء 03 مارس 2026

في كل عصر حكاية تكشف هشاشة الإنسان حين ينسى مساءلة ما يُعرض عليه، وحين تُحاك القصة بإتقان، يصبح الرمز أقوى من الواقع، ويغدو الطلب انعكاسًا لعدوى اجتماعية لا لحاجة عقلانية. وقصة “القرد بانش” ليست سوى استعارة مكثفة لذلك المشهد المتكرر: كائن عادي، لا يحمل قيمة استثنائية في ذاته، يُعاد تقديمه عبر سردية ذكية، فيتحول إلى ظاهرة، ثم إلى منتج، ثم إلى سوق كاملة تتغذى على الرغبة أكثر مما تتكئ على الحاجة.

وقد ناقشت الفلسفة القديمة الفرق بين “القيمة في ذات الشيء” و”القيمة المنسوبة إليه”، فمنذ أرسطو كان السؤال مطروحًا: هل قيمة الشيء نابعة من جوهره أم من وظيفته؟ غير أن السوق الحديث أضاف بُعدًا ثالثا: القيمة بوصفها قصة. في قصة “بانش”، تم توظيف عنصر الطرافة والندرة والسبق، فصُنعت هالة نفسية حول كائن عادي، حيث لا نشتري الشيء، إنما نشتري صورته المتخيلة، وهنا فإن المستهلك يدفع ثمن انتمائه إلى موجة، وإحساسه بالمشاركة في حدث، وخوفه الخفي من أن يفوته القطار. والأخطر أن الظاهرة لا تقوم على الخداع الصريح، ولكن على هندسة الإدراك، إذ يُضخ المحتوى بعناية، وتُستثار العواطف، ثم يُعاد التكرار حتى تتآكل المسافة بين النقد والتسليم. ومع كل مشاركة وإعادة نشر، يتحول الجمهور من متلقٍ إلى شريك في صناعة الوهم.

ومن منظور تحليلي، فإن ما حدث مع “القرد بانش” نموذج مكثف لاقتصاد الانتباه، في زمن تتزاحم فيه الصور، فيصبح أكثر ما يلفت هو ما يُروى بذكاء، لا ما يحمل قيمة حقيقية. وهكذا تنتصر الحكاية على الحقيقة، والرمز على الجوهر، والضجيج على المعنى.

غير أن المسؤولية لا تقع على صانع المحتوى وحده. فكل استهلاك غير ناقد يمنح شرعية جديدة للظاهرة، وكل انبهار غير ممحّص يضيف لبنة في بناء الوهم. والمثقف هنا الذي يرفض السوق، ويسأل: ماذا أشتري فعلًا؟ الشيء أم الإحساس المرتبط به؟

الرسالة التي تكشفها هذه القصة بسيطة وعميقة في آن واحد: لا يكفي أن يكون المحتوى جذابًا حتى يكون جديرًا بالتصديق، ولا يكفي أن يكون شائعًا حتى يكون ذا قيمة. ففي نهاية الأمر، نرى فيها قابلية الإنسان أن يُساق خلف السردية اللامعة، ما لم يحصن عقله ويوازن قلبه بميزان العقل لنحول السوق نفسه إلى مساحة اختبار لوعينا، لا لاستغلاله.

 

كاتبة وأكاديمية بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية