بحرنة الوظائف بين الاستحقاقات الوطنية والتنافسية الاقتصادية
- البحرنة ليست رقما يُستكمل في جداول الإحصاء بل استثمار استراتيجي في رأس المال البشري الوطني
- التوازن بين التنافسية الاقتصادية والاستحقاق الوطني ليس خيارا سياسيا بل ضرورة تنموية
- كل وظيفة نوعية يشغلها مواطن هي خطوة نحو اقتصاد أكثر استقرارا وإنتاجية
- الدعم المؤقت للأجور لا يصنع سوق عمل مستدامة.. ما يصنعه هو رفع المهارات وربطها بالإنتاجية
- إعادة تصميم سياسات البحرنة اليوم هي الضمان الحقيقي لأمن اقتصادي واجتماعي غدا
تُعد قضية بحرنة الوظائف واحدة من أهم الملفات الاقتصادية والاجتماعية في البحرين، لما تمثّله من صلة مباشرة بـ:
• حل مشكلة البطالة
الاستقرار الاجتماعي،
الإنتاجية الوطنية،
تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية،
تعزيز مشاركة الكفاءات البحرينية في سوق العمل،
القدرة التنافسية للاقتصاد البحريني في محيط خليجي تنافسي.
أولا: مؤشرات سوق العمل
بهدف توضيح الوضع الراهن للبحرنة في سوق العمل، تم جمع بيانات من بوابة البحرين والهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية للربع الثالث من العام 2025 لتوضيح الصورة الكاملة للتركيبة الحالية لسوق العمل في البحرين.

يشير هذا التوزيع إلى أن جزءا كبيرا من المواطنين لا يزالون يعمل في القطاع الخاص، في حين أن هذا القطاع يواجه تحديا أساسيا في زيادة نسب التوظيف الوطني بسبب اعتماده الكبير على العمالة الأجنبية الرخيصة التكلفة.
وتظهر إحصاءات هيئة تنظيم سوق العمل أنه في حين بلغ إجمالي عدد التصاريح الجديدة التي قامت هيئة تنظيم سوق العمل بإصدارها خلال الربع الثاني من العام 2024 ما مجموعه 41,792 تصريحا جديدا، فإن الأنشطة ذات الرواتب المنخفضة حصلت على حصة الأسد من هذه التصاريح، فبلغت حصة قطاع المقاولات والانشاءات 23 % وقطاع أنشطة التجارة حصة 20 %، وقطاع خدمات الإقامة والطعام حصة 14 %.
تظهر إحصاءات بوابة البحرين للبيانات عن سوق العمل (متوفرة لغاية 2023 فقط) في الجدول أذناه إن وظائف البحرينيين من حيث العدد تتركز في المهن الفنية والعلمية والكتابية والإشرافية وأعمال البيع والتجارة وبدرجة اقل في النقل والمواصلات والمهن الحرفية والإنتاجية.
ويجب أن نشير هنا إلى أن حجم عدد البحرينيين في أي قطاع قد لا يرتبط في الغالب برغبة أو ميل أو شهادة الموظف البحريني، بل بقدرة هذا النشاط على توفير الوظائف. ويلاحظ أن أنشطة المهن الفنية والعلمية والإدارية هي من الدرجات المتوسطة التي يقوم عادة “تمكين” بدعم رواتبها.
وعموما، يشكل البحرينيين نحو 18 % من القوى العاملة في القطاع الخاص بنهاية العام 2023، حيث تبلغ نسبة البحرنة في المهن الإدارية والإشرافية 44 % ثم المهن الفنية والعلمية 38 %.
يظهر الجدول أذناه توزيع البحرينيين بحسب المهن لمن رواتبهم دون الـ 400 دينار، حيث يبغ عددهم 38,780 موظف ويشكلون 38.8 % من مجموع الموظفين في القطاع الخاص، وهي تعد نسبة عالية للغاية خصوصا عندما نأخذ بالاعتبار الدعم الذي يقدمه “تمكين”.
وإذا استثنينا نشاط المحاجر وأعدادهم قليلة، فإنه بلغت نسبة البحرينيين ممن تقل رواتبهم عن 400 دينار نسبة 51 % في الأنشطة الترفيهية والرياضية، والمهن الكتابية 43 % وأعمال البيع والتجارة 37 % وهي من الأنشطة التي تستوعب أعداد كبيرة من البحرينيين في وظائف دنيا ومتوسطة من خلال المجمعات التجارية والمطاعم وغيرها.
في المقابل، يوضح الجدول أعداد العمالة الأجنبية التي تتقاضى رواتب 700 دينار فما فوق بواقع 29,184 موظفا ما نسبتهم 6.4 % من مجموع العمالة الأجنبية. وتتركز النسبة الغالبة بواقع 48.8 % في المهن الإدارية والإشرافية ثم 27.5 % في المهن الفنية والعلمية ثم 15.4 % في المهن الكتابية، وهي جميعها مهن قابلة للإحلال في معظمها بعمالة وطنية.
ثانيا: التراجع عن نسب البحرنة الإلزامية: الأسباب والجدل
بدأت السياسات الرسمية منذ منتصف العقد 2010 في التخفيف من نسب التوطين الإلزامية، وحوّلتها إلى أهداف مشجعة ترتبط بالحوافز أكثر من القيود. تعود الأسباب إلى:
التنافسية الاقتصادية وجذب الاستثمار
ترى الحكومة أن:
- فرض نسب إلزامية صارمة قد يقلل من تنافسية السوق البحرينية.
- المستثمر الأجنبي يبحث عن مرونة عالية في التشغيل.
- الاقتصاد البحريني صغير نسبيا ومحدود الموارد، ويحتاج إلى جذب الاستثمارات الخاصة والأجنبية.
الفلسفة الاقتصادية المتداولة
اتجهت السياسات في البحرين تدريجيا نحو اعتماد آليات السوق بدلا من القيود الإلزامية، مثل:
- دعم التدريب المهني بدل فرض نسب.
- تقديم حوافز دعم رواتب عوضا عن عقوبات عدم الالتزام.
- تأكيد أن النتيجة أهم من النسبة.
ثالثا: واقع البرامج الحالية: هل برامج البحرنة لا تزال مطبَّقة؟
الإجابة هي: لا، وتعتمد بشكل أساسي على:
الحوافز المالية
دعم رواتب المواطنين العاملين في القطاع الخاص عبر الصندوق الوطني “تمكين”.
- دعمت تمكين رواتب 15 ألف بحريني من الداخلين الجدد في سوق العمل
- تغطية تصل إلى 30 % - 70 % من أجر الموظف البحريني في أول سنوات التوظيف.
تمكين والبرامج التدريبية وتأهيل المهارات
- 22,484 إجمالي المستفيدين من برامج دعم التطور الوظيفي
- 8,480 إجمالي المستفيدين من برامج دعم المؤسسات
- 6,385 المستفيدون من دعم زيادة الأجور
* الهدف من هذه البرامج هو رفع الكفاءة المهنية للمواطنين وإغلاق فجوة المهارات بين التعليم وسوق العمل.
رابعا: موقف القطاع الخاص
بعد أن عرضنا موقف الحكومة أعلاه، يتبنى القطاع الخاص، من جانبه، موقفا واقعيا قائما على المنفعة الاقتصادية:
التكلفة التشغيلية:
العامل الوافد غالبا ما يقبل أجرا أقل من العامل البحريني في نفس المنصب، ما يوفر انضباطا أكبر في التكاليف التشغيلية.
المرونة التشغيلية:
العمالة الوافدة توفر قدرة أكبر على التحكم في ساعات العمل والتنقل الوظيفي مقارنة بالعمالة الوطنية التي قد تتطلب ترتيبات أسرية واجتماعية أعلى.
توافر المهارات الفنية المتخصصة:
في بعض الأنشطة التقنية، لا تتوافر الخبرات الكافية محليا، فيلجأ المستثمر لاستقدام الكفاءات الأجنبية.
خامسا: موقف الاتحادات والنقابات العمالية
يتبنى الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين رؤية لبحرنة الوظائف (توطينها) قائمة على إحلال البحرينيين مكان العمالة الوافدة بنسبة 3 % من الوظائف التي تتجاوز رواتبهم 700 دينار، وتثبيت هذا المبلغ كحد أدنى للأجور في الوظائف النوعية.
أبرز بنود ومقترحات الاتحاد لبحرنة الوظائف:
- إحلال نوعي: إحلال البحرينيين بنسبة 3 % من العمالة غير البحرينية في الوظائف ذات الرواتب العالية (أكثر من 700 دينار) لتوفير فرص عمل نوعية.
- الحد الأدنى للأجور: تثبيت 700 دينار كحد أدنى لأجور البحرينيين في الوظائف ذات القيمة المضافة لتعزيز استقطابهم.
- الحوار الاجتماعي: تفعيل برنامج العمل اللائق الموقع مع منظمة العمل الدولية بالعام 2010 لضمان بيئة عمل عادلة وآمنة.
سادسا: العلاقة بين الهيكل الاقتصادي وبرامج البحرنة
هيكل الاقتصاد البحريني يشكل نقطة ارتكاز لفهم فجوة البحرنة، حيث يتركز الاقتصاد على:

- يشير التركيب أعلاه إلى أن الاقتصاد لا يزال مرتبطا بأنشطة تعتمد على العمالة الرخيصة والأجور المتوسطة إلى المنخفضة في جل الأعمال. الوظائف التي تولدها هذه الأنشطة تكون ذات رواتب غير مجزية للمواطنين.
- لكننا أوضحنا أن هناك نحو 29 ألف وظيفة يشغل أجانب في مهن إشرافية وكتابية وفنية رواتبها 700 دينار فما فوق وقابلة للإحلال من قبل بحرينيين.
سابعا: فجوة العرض والطلب
تُعد الفجوة بين جانبي العرض والطلب في سوق العمل أحد أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه برامج البحرنة، إذ يميل جانب العرض إلى إنتاج أعداد كبيرة من خريجي الجامعات في تخصصات نظرية أو إدارية، بينما يتركز جانب الطلب في القطاع الخاص على وظائف تشغيلية أو متوسطة المهارة ذات مستويات أجور منخفضة نسبيا.
هذا الاختلال خلق حالة من عدم التوافق بين توقعات الخريجين ومستوى الرواتب الفعلي في السوق. وقد حاول صندوق العمل تمكين معالجة هذه الفجوة عبر برامج دعم الأجور. إلا أن هذا الدعم، رغم أهميته في مرحلة الإدماج الأولي، لا يُعد مستداما من منظور القطاع الخاص، لأن نماذج الأعمال في العديد من الأنشطة الاقتصادية، خصوصا التجارة والخدمات والإنشاءات، تعتمد أساسا على هيكل تكلفة يقوم على أجور منخفضة للحفاظ على القدرة التنافسية. ومع انتهاء فترة الدعم، تجد بعض الشركات صعوبة في الاستمرار بنفس مستويات الرواتب، ما أدى في بعض الحالات إلى ظهور ممارسات تحايلية مثل تدوير الوظائف أو إعادة تصنيف المسميات الوظيفية أو استبدال الموظفين بعد انتهاء الدعم.
ثامنا: نقص الكفاءات والمهارات
حل مشكلة التوظيف الوطني لا يكون بمجرد زيادة نسب التوطين، إنما عبر:
- رفع مستوى المهارات
- مواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل
- برامج تدريب متقدمة )مثل التقنية والرقميات(
- شراكات بين التعليم والقطاع الخاص
تاسعا: تجارب مقارنة
أ. تجربة المملكة العربية السعودية – برنامج نطاقات بهدف توطين 340 ألف وظفية
برنامج نطاقات ربط التوطين بمؤشرات أداء واضحة تتعلق بـ:
- الالتزام بنسب التوطين في كل قطاع
- مؤشرات تعليمية ومهارية
- ربط التوطين بتراخيص التشغيل
النتائج:
قبل 2018: نسبة البطالة 13 % - مشاركة المرأة 19 %
بعد 2024: نسبة البطالة 7.7 % - مشاركة المرأة 35 %
- أظهرت النتائج أن التوطين المرتبط بالإنتاجية والمهارات لم يضر التنافسية، بل عزز الاستثمار في التعليم والتدريب داخل الشركات.
ب. تجربة سلطنة عمان
اتبعت عمان نموذجا تدريجيا يدمج:
- نسب توطين مرحلية
- دعم التدريب المهني
- قيودا مرحلية على استقدام العمالة في بعض المهن
نتائجها:
- تم التوطين في 80 مهنة
- يتم توظيف 45 ألف مواطن سنويا
- حققت عمان توازنا بين النمو الاقتصادي واستجابة سوق العمل عبر برامج تدريجية مدروسة وبنفس الوقت تحسين التنافسية الاقتصادية.
عاشرا: الآثار الاقتصادية والاجتماعية لضعف برامج البحرنة
ضعف توطين الوظائف يرتّب مجموعة من التأثيرات، منها:
• استمرار الاعتماد على العمالة الأجنبية
• ارتفاع معدّلات البطالة الهيكلية بين الشباب
• فجوة بين المهارات المتاحة والوظائف المستقبلية
• تباطؤ في نمو الرواتب الوطنية بالقطاع الخاص
• محدودية النمو في القطاعات التقنية والإنتاجية
• مضار اجتماعية كبيرة وضارة للمجتمع
• فقدان كبير في إنتاجية القوى البشرية والاقتصاد الوطني
11: التوصيات والسياسات المقترحة
أ. تطوير إطار ملزم للبحرنة
• الانتقال من نسب غير ملزمة إلى مؤشرات للبحرنة قابلة للقياس وفقا لكل قطاع
• ربط الدعم بالإنتاجية وليس فقط بالأعداد
ب. تحديث التعليم والتدريب المهني
• إنشاء برامج تدريب متقدمة بالتعاون مع القطاع الخاص
• مواءمة البرامج التعليمية مع متطلبات السوق المستقبلي
ج. تحسين مشاركة القطاع الخاص
• تقديم حوافز ضريبية للشركات التي توطّن الوظائف التقنية
• إنشاء شراكات استراتيجية لتطوير المسار المهني
د. دمج التحول الرقمي في التدريب
• تطوير المهارات الرقمية كجزء أساسي من برامج البحرنة
• تشجيع الشركات على اعتماد تقنيات حديثة
هـ. تعزيز مؤشرات القياس والمتابعة
• إنشاء مؤشرات وطنية لقياس مستوى التوطين الحقيقي
• تقييم دوري للأداء وإعادة تصميم السياسات حسب النتائج
خاتمة
إن التوازن بين الاستحقاقات الوطنية ومتطلبات السوق والمنافسة الاقتصادية يتطلب إعادة تصميم استراتيجية البحرنة لتكون أكثر ديناميكية وارتباطا بالمستقبل.
