تمرّ بك في الحياة شخصيّات قد لا تتكرّر؛ فبالرغم من مرور الأزمان يبقى ذكرها خالدا، ووقع أفعالها نافذا... فكيف إذا جالستها وحاورتها واستمعت إلى حديثها؟ كيف إذا مررت في غير مكان فرأيت آثار أياديها البيضاء؛ مساجد ومراكز تعليم للجاليات، ومشاركات واسعة في أعمال البر والخير يشهد بها البعيد قبل القريب... نعم إنك بحضرة ابن بارّ من أبناء البحرين وعلم شامخ من أعلامها وبناة اقتصادها، إنك بحضرة المغفور له بإذن الله تعالى الوجيه محمّد بن عبدالله بن عيسى المناعي (طيّب الله ثراه).
أستحضر اليوم هذه الشخصية في الذكرى الثانية لوفاتها (17 فبراير 2024)، ونحن في الأسبوع الأول من الشهر الفضيل شهر رمضان المبارك جعله الله شاهدا له في الدنيا والآخرة لما قدّمه من أعمال صالحة في رمضان وفي غير رمضان؛ فقد كان مُصدّقا وعاملا بقوله عزّ وجل في سورة الضحى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)). أستحضرها لتظلّ قدوة حسنة تتعلم منها الأجيال معنى العطاء المستمرّ ومعنى الحمد الحقيقي لما يرزق الله به عباده الصالحين.
أستحضر هذه الشخصية العزيزة على قلوبنا هذه الأيام؛ لأتذكّر مع انطلاقة المجالس الرمضانية موعد الأربعاء في مجلسه العامر بالمحبة والألفة في القضيبية في ليالي رمضان المبارك، وأستحضر صفحات من الأنس الاجتماعي والكلمات العطرة التي كان يستقبل بها ضيوفه من كل مكان في البحرين، ومن خارج البحرين أيضا، ليظلّ عنوانا لأدب المجالس وقدوة يقتدي بها أصحاب المجالس.
أستحضر هذه الشخصية اليوم وقد مرّت منذ أيام قليلة ذكرى وطنية عزيزة، ذكرى الميثاق، لأتذكّر ما كان يفيض به حديث الراحل محمّد بن عبدالله بن عيسى المناعي (طيّب الله ثراه) من حبّ للبحرين وغيرة عليها، وكثيرًا ما كانت تسبق أفعالُه أقوالَه؛ فهو الذي لم يبخل بشيء على وطنه، وقد عاصر مراحل دقيقة من تاريخه منذ منتصف القرن الماضي. بل كان رمزًا للعطاء سواء من موقعه كرجل سياسة في مجلس الشورى، أو من موقعه كرجل أعمال سعى إلى بناء منظومة تجارية تخدم المواطنين من خلال تأسيسه للشركات الغذائية لتوفير الخدمات للمواطنين بأقلّ التكاليف مراعاة للمستوى المعيشي العام في النصف الثاني من القرن الماضي. كما حرص على تأسيس الشركات المساهمة العامة لإيمانه العميق بأنّ هذه الشركات ستوفّر الوظائف للعمالة المحلية.
أستحضر هذا وذاك في الذكرى الثانية لرحيله، لأنّه وإن غادرنا إلى ربّ كريم فهو لم يفارقنا؛ لم تفارقنا دعواته، لم تفارقنا مسامراته، لم يفارقنا حديثه.. وسنظلّ نذكره دائمًا لما في عقله من رجاحة وما في صدره من رحابة وما في قلبه من نقاوة ومحبّة نطقت بها عيناه قبل كلماته.
رحم الله أبا طلال وأسكنه جنّات الفردوس.
*كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية