العدد 6322
الأربعاء 04 فبراير 2026
عام عيسى الكبير.. إرث من الحكمة والذكر
الأربعاء 04 فبراير 2026

في عامٍ تحتفي فيه مملكة البحرين بـ “عام عيسى الكبير”، تستحضر الذاكرة مرحلةً من تاريخ البحرين تميّزت بحضور القرآن وازدهار العلم وعلو مكانة أهله، حيث لم تكن تلاوة القرآن محصورة في الأفراد فحسب، بل امتد أثرها إلى المجالس العامة، وتجلّت قيمها في التربية، وارتبطت بها معاني الوفاء والدعاء.
كان من معالم تلك المرحلة أنه مع بداية شهر رمضان، يقوم حاكم البحرين الشيخ عيسى بن علي بن خليفة آل خليفة طيب الله ثراه، بتكليف العالِم الجليل الشيخ أحمد بن حمد بن عربي، ونجله العالِم الجليل الشيخ يوسف بن أحمد بن عربي، بقراءة عددٍ محددٍ من ختمات القرآن الكريم، يكون إما خمسين ختمة أو مئة ختمة، بحسب ما يحدده الحاكم بنفسه، في دلالة واضحة على العناية بالقرآن وأهله.
وبعد صدور التكليف، يتولى الشيخان التواصل مع نخبة من القرّاء والمشايخ، ويُبلّغونهم بأمر الحاكم، ليكونوا ضيوفًا لديه طوال شهر رمضان المبارك. فبعد صلاة التراويح، يجتمع القرّاء في المساجد، ثم ينتقلون إلى قصر الحاكم في المحرق، حيث يُعقد لهم مجلس خاص أُعدّ لهذا الغرض.
وكان حاكم البحرين طيب الله ثراه يستقبلهم في مجلسه، وتُدار القهوة، وتُوزّع المصاحف، ثم يبدأ القرّاء بتلاوة آيات القرآن الكريم من بعد التراويح وحتى وقت السحر قبيل الفجر، في ليالٍ عامرة بالخشوع والذكر. ومع اقتراب الفجر، يُؤمر بإحضار طعام السحور، فيأكل الجميع، ثم ينصرفون لأداء صلاة الفجر، وتتكرر هذه المجالس ليلةً بعد ليلة من أول يوم في رمضان إلى آخره.
وكان ثواب ما يُقرأ من القرآن الكريم يُهدى لحاكم البحرين ووالديه، أو لمن يحدده الحاكم، فتكون الختمات هدية دعاء ووفاء، قبل أن تكون عددًا أو حسابًا. وعند اكتمال العدد المتفق عليه من الختمات، سواء كانت خمسين أو مئة، يجتمع القرّاء في آخر يوم من رمضان في مجلس جامع، ويتقدم أحد كبارهم سنًا ومقامًا بالدعاء لحاكم البحرين، ولأبنائه، ولوالديه، ثم يُهدى ثواب ما قُرئ من ختمات لمن حدده الحاكم، فتكون الختمة خاتمة شهر، وخاتمة جهد، وخاتمة دعاء. وبعد ذلك يُختَم المجلس بالدعاء، ثم بطعام السحور، وينفضّ الجمع على صلاة الفجر.
ومع انتهاء الشهر الفضيل، يُكافئ حاكم البحرين رحمه الله القرّاء، ويُكرمهم غاية الإكرام بالهدايا والعطايا، تقديرًا لجهدهم ومكانة القرآن وأهله.
ولم يكن دور العالِم الجليل الشيخ أحمد بن عربي ونجله العالِم الجليل الشيخ يوسف بن عربي
مقتصرًا على هذه المجالس الرمضانية، بل كان لهما دور تربوي عميق؛ إذ كان من معالم تلك المرحلة أنه في فصل الصيف، كان الشيخان الجليلان يصيفان في منطقة القضيبية، حيث يتم إحضار الطلبة من أبناء العائلة الحاكمة إليهما في القضيبية، فيجلسون بين أيديهم منذ الصباح وحتى المغيب، ليتعلموا القرآن الكريم وعلومه، فيتشربون قيم القرآن، ويتلقّون العلم على أصوله، ويعرفون مكانة العلماء وأهل القراءة، في صورةٍ تعكس تقدير المجتمع للعلم وأهله. 


وهنا يتجلّى معنى عام عيسى الكبير…
ليس كعنوانٍ عابر، بل كقيمة راسخة؛ تُستحضر فيها معاني الحكمة، والارتباط بأهل العلم، وتعظيم القرآن في المجالس والتربية، فارتبطت تلك المرحلة بقيم دينية راسخة، وعناية بالعلم، واهتمام ببناء الإنسان.
ويطيب في هذا المقام أن يُستحضر ذكر الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، الذي عُرف بالحكمة وبعد النظر، فترسّخت في عهده مكانة العلم، وعُظّم أهل القرآن، وأصبحت المجالس العامرة بالذكر والقراءة نهجًا ثابتًا لا ينفصل عن شؤون المجتمع وتربية النشء. ومن هذا الإرث العميق، ومن تلك القيم المتوارثة التي ارتبطت بالعلم والقرآن، جاءت تسمية هذا العام بـ عام عيسى الكبير؛ وفاءً لنهجٍ أصيل، واستحضارًا لمرحلة من تاريخ البحرين وما ميّزها من قيمٍ متوارثة.  
ويأتي هذا الاستحضار اليوم ليؤكد استمرارية النهج الوطني، حيث يواصل حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، السير على ذات الأسس الراسخة التي قامت عليها مسيرة هذا الوطن؛ نهجٌ يقوم على ترسيخ القيم، وتعظيم مكانة العلم، والاعتزاز بالإرث الديني والثقافي للبحرين. وقد تجلّى ذلك في مبادراته التي تحافظ على الذاكرة الوطنية حيّة، وتربط الأجيال بجذورها، وتؤكد أن ما تأسس عليه الوطن من قيم راسخة هو ما يُبنى عليه الحاضر وتُستشرف به آفاق المستقبل.
اللهم كما جمعت أهل القرآن قديمًا في المجالس، وكما عمرت لياليهم بالذكر والدعاء، فاحفظ بحريننا وأهلها، واحفظ قائدها. اللهم أدم على جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة الصحة والعافية، وأطل في عمره على طاعتك، واجعل عمله في ميزان حسناته، وانصر به الحق، وأدم به الأمن، واجعل هذا البلد آمِنًا مطمئنًا، سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم ارحم من مضى من أجدادنا، وبارك في من بقي من أبنائنا، واجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، واحفظ لنا تراثنا كما حفظت لنا أرضنا.


المصدر: كتاب أعيان البحرين الجزء التاسع بشار الحادي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية