توجت بجائزة ”كنز الجيل“ من مركز أبوظبي للغة العربية
نجاة فاروق سليمان: حين يتحوّل الشعر إلى صورة… والذاكرة إلى فن متوَّج
توحّدت الدكتورة نجاة فاروق سليمان مع لغة الشعر، لا بوصفه نصًا يُتلى، بل إحساسًا يُعاد تشكيله، فحوّلته إلى عمل بصري نابض لامس الذاكرة والوجدان، وترجم الشعور إلى مادة فنية أبهرت لجنة التحكيم، لتتوج بجائزة ”كنز الجيل“ فرع الفنون من مركز أبوظبي للغة العربية في دورتها الرابعة لعام 2025.
ولا يأتي هذا التتويج بمعزل عن مشروعها الفكري، إذ تشكّل رسالة الدكتوراه الخاصة بها حول القيمة الجمالية في الفن الشعبي ركيزة أساسية في تجربتها التشكيلية، حيث تعيد قراءة التراث بوصفه طاقة حيّة قابلة للتجدد، ومنبعًا مفتوحًا للحوار مع المعاصرة.
*ماذا يعني لكِ هذا التتويج؟
سعيدةٌ جدًّا وممتنّة بفوزي بجائزة كنز الجيل، وهي جائزة تمنّيتها منذ انطلاقتها في دورتها الأولى. يمثّل هذا الفوز تقديرًا لمسيرة فنية تمتد لأكثر من خمسة وثلاثين عامًا من التفاني وحبّ الفن.
تشرفتُ بالتكريم من الشيخ محمد بن حمدان بن زايد آل نهيان، وهو تكريم أعتز به كثيرًا، وأتقدّم بخالص الشكر للجنة التحكيم الموقّرة، والمنظّمين في مركز أبوظبي للغة العربية، ولكل من دعمني وآمن بتجربتي.
العمل الفائز يحمل عنوانًا شاعريًا لافتًا: «سَرَتْ من عيني دموعي». كيف بدأت فكرة هذا العمل؟
العمل هو تجسيد لإحساسي تجاه أبيات القصيدة، وهو مستوحى من أشعار المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وتحديدًا قوله: «لي سَرَتْ مِ العِين سَرّايَه… والمَلا بالنّوم نعّاسِ»
انطلقتُ من الرموز المتعددة في القصيدة، ومن قدرتها على احتواء الحزن والجمال والحنين في آنٍ واحد، وسعيتُ إلى إيجاد الجمال ودمج كلمات القصيدة داخل التكوين البصري نفسه، بحيث يتحوّل الشعر من نص مقروء إلى عنصر تشكيلي حي داخل اللوحة.
*استخدمتِ القماش والتطريز والخيوط كعناصر أساسية، ماذا تمثّل لكِ هذه الخامات؟
استخدمتُ القماش كوسيط للتعبير عن الزمن والذاكرة. إعادة توظيف قطع قماش متباينة، وربطها بالتطريز والخيوط الملونة، جعلت العمل الفني أشبه بـ خريطة عاطفية تُترجم التجربة الإنسانية. الشعر هنا لا يُقرأ فقط، بل يُرى ويُلمس، ويتحوّل إلى مادة بصرية نابضة.
وأنا أؤمن بأن : " مع كل غرزة… فيها حلم، فكرة، ذكرى، مشاعر، طاقة " ، وهي مقولة تختصر علاقتي بالعمل وبالفعل الإبداعي ذاته .
*كيف تصفين الرحلة البصرية التي يعيشها المتلقي أمام هذا العمل؟
العمل رحلة داخل الوجدان والذاكرة. هو مزيج بين اللغة البصرية واللغة الشعرية، حيث تتحوّل القصيدة إلى مفردة تشكيلية. حاولتُ من خلاله التعبير عن الجمال بوصفه إحساسًا عميقًا، لا مجرد بناء شكلي، وإيصال فكرة أن التراث ليس ماضيًا ثابتًا، بل مادة حيّة تُعاد صياغتها في الحاضر بروح معاصرة، مع الحفاظ على الجذور النبطية والتراثية.
*كيف ينعكس جانبكِ الأكاديمي على تجربتك الفنية؟
رسالتي للدكتوراه كانت حول القيمة الجمالية في الفن الشعبي، وهي تمثل أحد الأعمدة الأساسية في تجربتي التشكيلية. هذا الوعي المعرفي يجعلني أتعامل مع التراث بوصفه ذاكرة حيّة، لا مادة جامدة، وأبحث دائمًا عن طرق لإعادة قراءته بصريًا بما يتوافق مع روح العصر، دون أن أفقد صدقه أو عمقه الإنساني.
*ما تفاصيل العمل من حيث القياس والخامات
العمل الفني بقياس 150 × 150 سم،واستخدمتُ فيه ألوان الأكريليك مع الخيوط الملونة وأقمشة متنوعة، مختلفة في الألوان، والملامس، ودرجات الشفافية، بما يخدم فكرة الزمن، والتراكم، والذاكرة.
*كيف تنظرين إلى المرأة البحرينية وتمكينها في مجال الفن التشكيلي؟
أرى أن المرأة البحرينية تمثل نموذجًا متقدمًا للتمكين الواعي في الفن التشكيلي. هناك دعم ثقافي ومؤسسي واضح، ومساحة حقيقية للتجريب والتعبير، وهو ما أتاح للفنانة البحرينية أن تحجز موقعًا مؤثرًا، يجمع بين الهوية، والنضج البصري، والجرأة.
التمكين الحقيقي، في رأيي، هو أن تُمنح الفنانة حرية السؤال، واحترام الاختلاف، والإيمان بقدرتها على التأثير، وهذا ما أراه متحققًا بوضوح في التجربة البحرينية.
*كيف ترين دور الفن اليوم؟
الفن ضرورة إنسانية، ووسيلة لفهم الذات، ولمداواة الذاكرة، ولطرح الأسئلة الكبرى.حين يتحوّل الشعر إلى صورة، وتتحوّل الغرزة إلى معنى، ندرك أن الفن ما زال قادرًا على أن يكون جسرًا حيًا بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان ووجدانه.
