لقد كانت الثقافة، في زمن مضى، جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية، تتغلغل في تفاصيلها بهدوء وعمق، وكان المجتمع يستمد وعيه من تقاليده الراسخة، ومن صلته الحميمية بالطبيعة، ومن منظومة قيمه الدينية، إضافة إلى عطائه الفني والأدبي، فتتشكل ملامحه الثقافية بعفوية ناضجة. غير أنّ تعقّد الحياة الحديثة، وتعدد متطلباتها، وتشابك وسائلها وغاياتها، جعل من التخطيط ضرورة لا غنى عنها، ومن التكامل ركيزة أساسية، فتفرّعت الاجتهادات وتوالت التجارب بحثًا عن صيغة أكثر اتزانًا.
ولا شك أن حصيلة التجارب العالمية، إلى جانب الخبرات المتولدة من واقعنا المحلي، قادرة على أن تعين مجتمعاتنا في صياغة خطط ثقافية أكثر فاعلية، تحقق أهدافها وتؤسس لعمل ثقافي مستدام. غير أن السؤال الجوهري يظل حاضرًا بإلحاح: هل هناك تكامل حقيقي بين التعليم والثقافة في مجتمعاتنا؟ أم أننا أمام انفصام واضح بين المسارين، كما تعكسه الممارسة اليومية؟
وإلى أي مدى استفاد الطالب، ولاسيما في المراحل الدراسية المتقدمة، من المواد الأدبية التي يدرسها؟ تلك المواد التي لا تُعد ترفا معرفيا، بل ركيزة أساسية في بناء الوعي والذائقة. شخصيًا، لا أظن أن الفائدة بلغت مداها المنشود.
أستحضر هنا تجربتنا في المرحلة الثانوية خلال منتصف الثمانينات، حين كنا نعشق كتاب اللغة العربية، ونحفظ نصوص الشعراء بشغف، وكان الكتاب المدرسي آنذاك أشبه بمشروع تنمية ثقافية طويلة الأمد، متعددة العطاء، عميقة الأثر، لا تزال بصماتها حاضرة حتى اليوم.
ولعل ما نحتاجه اليوم هو إعادة الاعتبار للثقافة بوصفها شريكًا أصيلًا في العملية التعليمية، لا هامشًا مكمّلًا لها، عبر مناهج حية، ومعلمين مؤمنين برسالتهم.