العدد 6297
السبت 10 يناير 2026
المؤثرون وصناعة الوهم.. المسؤولية القانونية عن الإعلانات المضللة بالاقتصاد الرقمي
السبت 10 يناير 2026

مما لا شك فيه أن الاقتصاد الرقمي بات أحد أعمدة النشاط الاقتصادي المعاصر، ولم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات تواصل أو فضاءات للتعبير الشخصي، بل تحولت إلى منصات مؤثرة في تشكيل أنماط الاستهلاك وتوجيه قرارات الشراء وفي قلب هذا التحول، برز دور ما يُعرف بـ «المؤثرين» بوصفهم فاعلين غير تقليديين في السوق، يمتلكون قدرة لافتة على التأثير في السلوك الاقتصادي للأفراد، بما يثير إشكاليات قانونية واقتصادية متشابكة، خاصة حين يتحول المحتوى إلى إعلان مضلل مغلف بثوب التجربة الشخصية.

ولا ريب أن خطورة هذا النمط من الإعلان لا تكمن في كونه إعلانًا بحد ذاته، وإنما في كونه إعلانًا غير مُعلن، يختلط فيه الرأي بالدعاية، وتُستغل فيه الثقة التي يمنحها المتابع للمؤثر، في غياب واضح للشفافية والإفصاح وهنا تتبدى الإشكالية الحقيقية : هل يظل المؤثر بمنأى عن المساءلة باعتباره مجرد ناقل لتجربة، أم يصبح مسؤولًا قانونًا بوصفه جزءًا من منظومة الإعلان التجاري؟

الإعلان المضلل وأثره في اختلال التوازن الاقتصادي

الإعلان المضلل، في جوهره، لا يُعد مجرد مخالفة لقواعد حماية المستهلك، بل يمثل إخلالًا بالتوازن الطبيعي للسوق فالمستهلك الذي يتخذ قراره بناءً على معلومات غير صحيحة أو مبالغ فيها، لا يمارس حرية الاختيار على أسس سليمة، وهو ما يؤدي إلى تشويه آليات العرض والطلب، وإضعاف المنافسة العادلة بين المتعاملين الاقتصاديين.

اقتصاديًا، يفضي هذا النوع من الإعلانات إلى تآكل الثقة في السوق، وزيادة النزاعات، وارتفاع كلفة المعاملات، فضلًا عن إهدار الموارد في أنشطة غير منتجة أو قائمة على الوهم. ومن ثم، فإن مواجهة الإعلان المضلل ليست ترفًا تشريعيًا، وإنما ضرورة اقتصادية وقانونية لضمان استقرار الأسواق وحماية المتعاملين فيها.

الطبيعة القانونية للمؤثر وحدود المسؤولية

يثور الجدل حول التكييف القانوني لدور المؤثر، وما إذا كان مجرد وسيط إعلامي أم فاعلًا اقتصاديًا والحقيقة أن العبرة، في هذا المقام، ليست بالوصف، وإنما بطبيعة الدور والمقابل فالمؤثر الذي يتقاضى أجرًا، أو يحصل على منفعة، لقاء الترويج لمنتج أو خدمة، يخرج عن نطاق التعبير الشخصي، ويدخل في دائرة النشاط الإعلاني المنظم.

وفي هذه الحالة، يصبح المؤثر ملتزمًا بواجبات قانونية واضحة، في مقدمتها الإفصاح عن الطابع الإعلاني للمحتوى، والامتناع عن تقديم معلومات غير صحيحة أو غير مثبتة ولا يُقبل منه التذرع بعدم العلم متى كان في موقع يفرض عليه التحقق، خاصة في ظل اتساع دائرة تأثيره واتكاء الجمهور على ما يقدمه من محتوى.

المسؤولية المدنية والجنائية للمؤثرين

تتجسد المسؤولية المدنية للمؤثر في التزامه بتعويض الضرر الذي يصيب المستهلك نتيجة الإعلان المضلل، متى توافرت علاقة السببية بين المحتوى الإعلاني والضرر ولا يغير من ذلك كون المنتج أو الخدمة صادرة عن جهة أخرى، طالما أسهم المؤثر في الترويج لها على نحو مؤثر ومباشر.

أما المسؤولية الجنائية، فتثور حين يتجاوز الإعلان المضلل مجرد المبالغة إلى الغش أو الاحتيال، أو حين يتعلق بمنتجات محظورة أو غير مرخصة، أو باستثمارات وهمية تترتب عليها أضرار جسيمة وفي مثل هذه الحالات، قد يُسأل المؤثر بوصفه فاعلًا أصليًا أو شريكًا، متى ثبت علمه أو توافر القصد الاحتمالي لديه، خاصة إذا كان الإعلان قد استهدف جمهورًا واسعًا وألحق ضررًا جماعيًا.

التشريعات الخليجية والعربية:

بين التطور والتفاوت

شهدت بعض الدول الخليجية، ومنها البحرين، تطورًا ملحوظًا في تنظيم الإعلانات الرقمية، من خلال توسيع نطاق قوانين حماية المستهلك، وفرض التزامات واضحة بالإفصاح عن المحتوى المدفوع، وتجريم الإعلانات المضللة أياً كانت وسيلتها كما بدأت الجهات المختصة في تحميل المؤثرين مسؤولية مباشرة، باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من النشاط الإعلاني.

وفي سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، برز توجه مماثل نحو تنظيم الإعلان عبر المنصات الرقمية، مع اشتراط الترخيص، والالتزام بالضوابط المهنية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لأثر المؤثرين في الاقتصاد الرقمي.

في المقابل، لا تزال بعض التشريعات العربية، ومنها التشريع المصري، تعتمد على نصوص عامة تتعلق بالغش والإعلان المضلل، دون تنظيم تفصيلي لدور المؤثرين، وهو ما يترك مساحة واسعة للاجتهاد القضائي، ويجعل التدخل التشريعي اللاحق ضرورة لا غنى عنها.

التجربة الأوروبية

في التجارب الأوروبية، ولا سيما في فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، جرى التعامل مع المؤثرين باعتبارهم فاعلين اقتصاديين متى مارسوا نشاطًا إعلانيًا وألزمت القوانين والهيئات التنظيمية بالإفصاح الصريح والواضح عن أي محتوى مدفوع، واعتبرت الإخلال بذلك صورة من صور التضليل.

وقد اتسمت هذه التجارب بالتوازن، حيث لم تُقيد حرية التعبير أو الإبداع، وإنما رسمت حدًا فاصلًا بين الرأي والإعلان، حمايةً للمستهلك، وضمانًا لشفافية السوق، واستقرارًا للاقتصاد الرقمي، وهو ما انعكس إيجابًا على الثقة العامة في المعاملات الإلكترونية.

الاقتصاد الرقمي بين حرية التأثير وضوابط القانون

ولا ريب أن الاقتصاد الرقمي يقوم على الابتكار وسرعة التفاعل، غير أن إطلاق حرية التأثير دون ضوابط قانونية واضحة يفتح الباب أمام الاستغلال، ويحوّل الثقة إلى أداة للإضرار بالغير فحرية الإعلان لا تعني حرية التضليل، والتأثير لا ينبغي أن يكون ستارًا للإفلات من المسؤولية.

إن تنظيم دور المؤثرين ليس استهدافًا لهم، وإنما هو تنظيم للسوق ذاته، بما يحقق التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي وضرورة حماية المستهلك، ويعزز مناخ الثقة الذي لا غنى عنه لأي اقتصاد مستدام.

رؤية قانونية

إذ نرى أن المسؤولية القانونية للمؤثرين عن الإعلانات المضللة لم تعد مسألة فرعية أو مؤجلة، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة الاقتصاد الرقمي وتشابك المصالح فيه فالمؤثر، متى دخل دائرة الإعلان المدفوع، غدا فاعلًا اقتصاديًا كامل المسؤولية، لا مجرد ناقل لتجربة أو رأي عابر.

وما لم تتجه التشريعات العربية إلى وضع إطار واضح ومتوازن ينظم هذا الدور، مع تفعيل أدوات الرقابة والمساءلة، ستظل الثقة في السوق الرقمية مهددة.


* مستشار مصري مقيم في عُمان

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية