العدد 6276
السبت 20 ديسمبر 2025
مقاربات قانونية رجب قاسم
رجب قاسم
التضخم الصامت... أزمة بلا قرارات معلنة
السبت 20 ديسمبر 2025

 مما لا شك فيه أن أخطر الأزمات الاقتصادية ليست تلك التي تُعلن بقرارات رسمية أو بيانات حكومية صريحة، وإنما تلك التي تتسلل إلى حياة الأفراد بهدوء، وتعيد تشكيل أوضاعهم المعيشية دون أن يشعروا بلحظة الانفجار. ولعل ما يمكن وصفه بـ «التضخم الصامت» يمثل اليوم أحد أخطر التحديات التي تواجه المجتمعات العربية والخليجية، لأنه لا يكتفي بتآكل القوة الشرائية، بل يختبر أيضًا قدرة القوانين على حماية الدخول والحقوق المالية، ويضع المنظومة التشريعية أمام سؤال جوهري حول مدى ملاءمتها لواقع اقتصادي متحول.
اقتصاد متحرك وتشريع جامد
التضخم الصامت لا يصدر في صورة قرار ولا يُنشر في الجريدة الرسمية، لكنه يظهر تدريجيًا في ثبات الأجور مقابل ارتفاع تكاليف المعيشة، وفي تقلص القيمة الحقيقية للنفقات والتعويضات، وفي تآكل الدخول دون أن يتغير الرقم المدون في النص القانوني. وهنا تتجلى الإشكالية الحقيقية، إذ تقوم أغلب التشريعات العربية والخليجية على افتراض ضمني باستقرار اقتصادي نسبي، ولا تتضمن آليات مرنة أو تلقائية لمواكبة التغيرات المستمرة في الأسعار، فيتحول النص القانوني بمرور الوقت إلى إطار منفصل عن الواقع الذي وُضع لتنظيمه.
الأجور بين النص والواقع 
في عدد من الدول العربية، وعلى رأسها مصر، ما زالت القواعد القانونية المنظمة للأجور تعتمد على حد أدنى يتم تحريكه بقرارات استثنائية، لا بنصوص قانونية مرنة، مع غياب ربط حقيقي بين الأجر ومعدلات التضخم الفعلية. أما في دول الخليج، ورغم ارتفاع متوسط الدخل نسبيًا، فإن المشكلة تظهر في صورة مختلفة تتمثل في ارتفاع تكاليف السكن والخدمات الأساسية وثبات أجور شريحة واسعة من العاملين في القطاع الخاص، في ظل غياب التزام تشريعي واضح بمراجعة الأجور دوريًا بما يتناسب مع كلفة المعيشة، فيتحول القانون من أداة حماية إلى عامل يكرّس الخسارة.
الأحكام الأسرية والنفقة 
تتجسد آثار التضخم الصامت بصورة مباشرة في قوانين الأحوال الشخصية، حيث تُحدد النفقات والتعويضات بمبالغ ثابتة تفقد قيمتها الحقيقية مع تغير الظروف الاقتصادية. ففي مصر، ورغم الاعتراف بمبدأ تغير الأحوال، تظل إعادة تقدير النفقة مرهونة بإقامة دعوى جديدة وما يستتبعها من وقت وتكلفة، بما يجعل الحكم القضائي عاجزًا عن تحقيق غايته الاجتماعية بعد سنوات قليلة. وفي دول الخليج، ورغم مرونة بعض الأنظمة القضائية، فإن النصوص غالبًا لا تلزم بمراعاة التضخم صراحة، وتترك الأمر لاجتهادات متباينة تُضعف استقرار الأحكام.
التعويضات المدنية
لا يختلف الأمر كثيرًا في مجال التعويضات المدنية والعمالية، حيث تصدر أحكام بعد سنوات من التقاضي بقيم اسمية لا تعكس حقيقة الضرر الواقع بسبب غياب أي آلية قانونية تراعي التغير في القيمة الشرائية للنقود. وهنا يُفرغ التعويض من وظيفته الجوهرية، وهي جبر الضرر، ليصبح مجرد رقم لا يحقق العدالة المنشودة، ويكشف مرة أخرى عن قصور التشريع في مواجهة واقع اقتصادي متغير.
اختلال التوازن الاقتصادي
تتأثر العقود طويلة الأجل، كعقود الإيجار والتوريد والعمل، بالتضخم الصامت على نحو يخلّ بالتوازن الاقتصادي بين أطرافها مع مرور الزمن. ورغم اعتراف بعض التشريعات الخليجية بنظرية الظروف الطارئة، فإن تطبيقها ما زال محدودًا ومقيدًا بشروط صارمة، في وقت لم يعد فيه التضخم ظرفًا طارئًا بل واقعًا شبه دائم. وفي مصر وعدد من الدول العربية، تظل هذه النظرية حبيسة نصوص عامة لا تُفعّل إلا في أضيق الحدود.
التشريعات الخليجية
لا يمكن إنكار أن دول الخليج، ومنها البحرين والسعودية وسلطنة عُمان، تمتلك أدوات اقتصادية ومالية للتخفيف من آثار التضخم عبر سياسات الدعم والتدخلات الحكومية، غير أن الإشكال الحقيقي يظل قائمًا في عدم مواكبة التشريع لهذه السياسات، وغياب نصوص واضحة تربط بعض الحقوق المالية بالمؤشرات الاقتصادية أو تعترف بمفهوم القيمة الحقيقية للالتزام بدلًا من الاكتفاء بالقيمة الاسمية.
التجربة الأوروبية
تُظهر التجارب الأوروبية اتجاهًا أكثر مرونة، حيث جرى ربط بعض الأجور والمعاشات بمؤشرات الأسعار، وأُتيحت للقاضي سلطات أوسع في مراجعة الالتزامات المالية تلقائيًا عند تغير الظروف الاقتصادية، بما يقلل من آثار التضخم الصامت ويحافظ على التوازن الاجتماعي ويحد من النزاعات القضائية.
رؤية قانونية
إذ تتعامل الحكومات العربية والخليجية مع التضخم عبر سياسات اقتصادية ومالية متغيرة، فإن الخطر الحقيقي يكمن في بقاء التشريعات جامدة، عاجزة عن التفاعل مع هذا الواقع المتحرك. فالقانون الذي لا يواكب الاقتصاد يتحول دون قصد إلى أداة لإعادة توزيع الخسارة على حساب الفئات الأضعف. ومن ثم، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تشريع مرن يعترف بأن القيمة الحقيقية للحقوق لا تُقاس بالأرقام المجردة، بل بقدرتها على حماية الإنسان في واقع اقتصادي متغير.

* مستشار مصري مقيم في عُمان

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية