لا ريب أن العالم اليوم يعيش واحدة من أكثر المراحل الاقتصادية اضطرابًا في العقود الأخيرة، حيث تحوّل الغلاء من ظاهرة مؤقتة إلى واقع متجذر يطرق أبواب كل بيت، ويعيد رسم ملامح المجتمعات من جديد وإذا كانت الأزمات المالية السابقة قد كشفت هشاشة النظام الرأسمالي في بعض جوانبه، فإن الأزمة الراهنة تُنذر بتآكل الطبقة الوسطى، تلك التي كانت لعقود طويلة صمام أمان المجتمعات واستقرارها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
الطبقة الوسطى لم تكن مجرد شريحة اقتصادية، بل كانت — وما تزال — الركيزة التي توازن بين الفقر والثراء، وتحمل على عاتقها عبء التنمية والإنتاج والاستهلاك في آنٍ واحد. إنها تمثل الطبقة التي تشتري وتنتج وتدفع الضرائب، وتحافظ على دورة الحياة الاقتصادية. لكن مع تصاعد موجات الغلاء والتضخم، بدأنا نشهد انزلاقًا تدريجيًا لتلك الطبقة نحو الأسفل، في مشهد لا يقل خطرًا عن أي أزمة سياسية أو مالية كبرى.
بين القانون والسوق
إن القانون الاقتصادي الحديث لا يكتفي بتنظيم السوق، بل يمتد لحماية المتعاملين فيه، وعلى رأسهم المستهلك فالدولة في فلسفتها التشريعية تتحمل مسؤولية مزدوجة: ضبط الأسعار من جهة، وحماية القدرة الشرائية للمواطن من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، فإن سياسات دعم السلع الأساسية وتحديد هوامش الربح ومراقبة الأسواق ليست إجراءات تكميلية، بل هي صميم العدالة الاقتصادية التي تُترجم العدالة الاجتماعية إلى واقع ملموس.
غير أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في الغلاء ذاته، بل في غياب الرقابة الفعالة والضبط القانوني الحاسم للممارسات الاحتكارية التي تُغذي الأسعار بلا مبرر.
لقد أثبتت تجارب كثيرة أن الأسواق الحرة دون رقابة قانونية تتحول سريعًا إلى فوضى تُغني القليل وتُفقر الكثير.
وفي مصر، على سبيل المثال، انعكست موجات الغلاء المتلاحقة على الحياة اليومية للطبقة الوسطى التي بدأت تفقد قدرتها على الادخار بل حتى على مجاراة نفقات المعيشة الأساسية، فيما يظل القانون عاجزًا عن كبح جشع بعض المحتكرين أو المتلاعبين بالسلع الاستراتيجية.
وفي المقابل، نرى في دول الخليج — وعلى رأسها البحرين والسعودية وسلطنة عُمان — اتجاهًا واضحًا نحو موازنة السوق بالرقابة الذكية، من خلال تدخل الدولة عند اللزوم لضبط الأسعار أو عبر برامج الدعم المباشر للمواطنين الأكثر تأثرًا، في خطوة تعبّر عن وعي تشريعي واقتصادي متقدم.
التجربة الخليجية
تُعد البحرين نموذجًا مميزًا في هذا السياق، إذ تبنت منذ سنوات سياسة متدرجة في مواجهة الغلاء تقوم على إعادة توجيه الدعم بدلًا من إلغائه، وتفعيل أدوات الرقابة التجارية بشكل متوازن يحافظ على السوق ويمنع الانفلات السعري.
وفي السعودية، أطلقت الحكومة برامج مثل “حساب المواطن” لتعويض الأسر المتضررة من الإصلاحات الاقتصادية، إدراكًا منها بأن العدالة لا تعني فقط حرية السوق، بل أيضًا ضمان حياة كريمة لمواطنيها.
أما سلطنة عُمان، فقد عززت مؤخرًا دور جهاز حماية المستهلك ومنحته صلاحيات قانونية أوسع لمكافحة الغش التجاري والتلاعب بالأسعار، في إطار فلسفة اقتصادية جديدة تربط الاستقرار الاجتماعي بالرقابة القانونية.
إن ما يجمع بين هذه التجارب الخليجية هو إدراكها أن الاقتصاد الحر لا يعني اقتصادًا بلا ضوابط، وأن السوق ليس أكبر من القانون، بل هو خاضع له ومكمل له في آنٍ واحد.
الدروس الأوروبية
أما في أوروبا، حيث يواجه المواطن كذلك موجات تضخم غير مسبوقة بعد جائحة كورونا والحرب الأوكرانية، فقد لجأت الحكومات إلى أدوات قانونية واقتصادية متوازنة مثل تحديد سقف أرباح شركات الطاقة، وفرض ضرائب استثنائية على القطاعات التي حققت أرباحًا غير متوقعة، وتقديم دعم مالي مباشر للأسر المتضررة.
وفي فرنسا، سنّ المشرّع قانونًا خاصًا لمراقبة الأسعار في سلاسل التوريد الزراعية والغذائية، ضمانًا لعدم تحميل المواطن النهائي أعباء الارتفاع المفرط.
أما ألمانيا، فقد اتخذت خطوة جريئة بربط زيادات الأجور بالتضخم سنويًا، حمايةً للطبقة الوسطى من التآكل الاقتصادي المستمر.
هذه التجارب الأوروبية تؤكد أن الحل لا يكون دائمًا في ترك السوق لنفسه، بل في إعادة تعريف دور الدولة كمنظّم عادل وحارس لتوازن المجتمع الاقتصادي.
رؤية قانونية
مما لا شك فيه أن تآكل الطبقة الوسطى خطر لا يقل عن الركود أو التضخم نفسه، لأنه يهدد صلب المجتمع واستقراره فإذا ضعفت هذه الطبقة، سقط التوازن، وانقسم المجتمع إلى قلة تملك الكثير وكثرة تملك القليل، وحينها تتصدع القيم الاجتماعية قبل أن يختل النظام الاقتصادي.
من هنا، نرى أن التشريع الاقتصادي يجب أن يتحرك بسرعة أكبر لمواكبة الواقع المتغير، من خلال:
- فرض رقابة أكثر فاعلية على الأسعار والاحتكار.
- دعم الأجور وربطها بمعدلات التضخم.
- تشجيع الاستثمار الإنتاجي لا الريعي.
وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل الطبقة الوسطى قبل الفقيرة.
فالعدالة الاجتماعية ليست شعارًا يُرفع، بل معادلة قانونية واقتصادية يجب أن تتحقق.
وإذا كان الغلاء قد فرض واقعًا صعبًا، فإن الدولة العادلة بقوانينها الرصينة يمكنها أن تُعيد التوازن، وتحمي الطبقة الوسطى من الذوبان في بحر التضخم.
إنها معركة الوعي قبل أن تكون معركة الأسعار، ومعركة القانون قبل أن تكون معركة السوق.
* مستشار مصري مقيم في عُمان