في أجواء الانتخابات البرلمانية القادمة في مصر، يعود السؤال الأبدي إلى الواجهة: هل ما زال البرلمان صوت الأمة، أم أصبح مجرد صدى للسلطة؟
سؤالٌ يتجاوز حدود اللحظة السياسية، ليصل إلى عمق الفكرة البرلمانية ذاتها، تلك المؤسسة التي وُلدت من رحم الحاجة إلى تمثيل الإرادة الشعبية وضبط أداء السلطة التنفيذية، فإذا بها — في كثير من التجارب العربية — تتحول إلى شكلٍ بلا مضمون، وإطارٍ ديمقراطيٍّ لا يحمل في جوفه إلا ما تسمح به القيود.
ولا ريب أن المتأمل في المشهد البرلماني العربي، والمصري بوجه خاص، يدرك أن القضية ليست في «الانتخابات» بوصفها إجراءً سياسيًا، بل في المنظومة القانونية والاقتصادية التي تحدد حدود الفعل البرلماني وقدرته على التأثير.
فالقانون وحده لا يصنع ديمقراطية، كما أن الصندوق وحده لا يمنح الأمة صوتًا إن لم يكن مؤطَّرًا بنظام تشريعي واقتصادي يُؤمِّن استقلال النائب، ويضمن نزاهة الممارسة.
المشهد البرلماني المصري بين النص والتطبيق
منذ صدور دستور 2014 وما تلاه من قوانين تنظيمية، حاول المشرّع المصري أن يعيد الاعتبار لمجلس النواب بوصفه سلطة تشريعية ورقابية فقد منح الدستور البرلمان حق سحب الثقة من الحكومة، والموافقة على السياسة العامة، ومناقشة الموازنة العامة للدولة، وهي صلاحيات تعكس مبدئيًا رغبة في التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
لكن التطبيق العملي يكشف أن هذه الصلاحيات كثيرًا ما ظلت حبيسة النصوص فالتوازن الحقيقي بين السلطات لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل بوجود بيئة سياسية واقتصادية تسمح للنائب بالتحرك الحر، دون ضغط حزبي أو إداري أو مالي وهنا تبرز إشكالية المال السياسي الذي بات في بعض الأحيان معيارًا حاسمًا في تحديد من يصل إلى قبة البرلمان، في حين يغيب الكفاءات التشريعية القادرة على ممارسة الرقابة الموضوعية.
كما أن غياب مراكز بحثية متخصصة داخل البرلمان المصري، أسوة بما هو معمول به في الدول المتقدمة، جعل من الصعب على اللجان النوعية إعداد دراسات اقتصادية وتشريعية معمقة، مما أدى إلى أن تتحول الجلسات أحيانًا إلى مناقشات شكلية لا ترقى إلى مستوى صناعة القانون بمعناه الحقيقي.
التجارب الخليجية بين الطموح
والحدود الدستورية
إذا انتقلنا إلى المشهد الخليجي، نجد تفاوتًا واضحًا في صلاحيات المجالس التشريعية ففي الكويت مثلًا، يتمتع مجلس الأمة بصلاحيات واسعة تشمل استجواب الوزراء وسحب الثقة منهم، وهو نموذج متقدم نسبيًا في المنطقة العربية بينما في عُمان والسعودية والإمارات، لا تزال الصلاحيات التشريعية للمجالس محدودة أو مشتركة مع السلطة التنفيذية، وإن كانت هذه الدول تشهد تطورًا تدريجيًا في منح المجالس دورًا أكبر في المشاركة بالقرار الاقتصادي.
وقد جاء مجلس عُمان، بمجلسيه — الدولة والشورى — ليعكس نموذجًا خاصًا يزاوج بين المشورة والتشريع التدريجي فالقانون العماني منح المجلس حق إبداء الرأي في الخطط التنموية والموازنات العامة، والمشاركة في دراسة مشروعات القوانين، وهو ما يعكس فلسفة تقوم على التطوير المتدرج لا الصدام المؤسساتي، انسجامًا مع خصوصية النظام السياسي العماني القائم على التوازن والاستقرار.
وفي المقابل، نجد أن المجالس الخليجية الأخرى باتت تلعب دورًا متزايدًا في رسم السياسات الاقتصادية ومتابعة برامج «رؤية 2030» في السعودية، و«رؤية 2040» في عُمان، و«رؤية الإمارات 2071»، وهي مشاريع وطنية ضخمة تستدعي رقابة برلمانية متخصصة تمتلك أدوات تحليل اقتصادي وتشريعي دقيقة.
غير أن التحدي الأكبر يظل في تحقيق الاستقلال المالي والسياسي للمجالس، إذ لا يمكن لبرلمان أن يكون فعالًا وهو يستمد تمويله أو سلطته من الحكومة ذاتها التي يفترض أن يراقبها.
النموذج الأوروبي..
التشريع كصناعة للقرار العام
أما في أوروبا، فتبدو البرلمانات في قلب العملية الاقتصادية والسياسية فالنائب هناك ليس مجرد ممثل عن دائرة انتخابية، بل جزء من منظومة تشريعية متكاملة تمتلك أدوات البحث، والرقابة، والتأثير في السياسات العامة.
في بريطانيا، على سبيل المثال، لا يمكن تمرير أي سياسة مالية دون موافقة مجلس العموم، وهو ما يجعل الرقابة البرلمانية على الإنفاق العام فعّالة وحقيقية.
وفي ألمانيا، يمتلك البوندستاغ لجانًا اقتصادية مستقلة ذات صلاحيات في مراجعة العقود الحكومية الكبرى، وضبط الأداء المالي للمؤسسات العامة.
ما يميز التجربة الأوروبية هو الفصل الفعلي بين السلطات، واستقلال البرلمان كمؤسسة تمثل الشعب لا الحكومة ويعزز ذلك وجود إعلام حر ومجتمع مدني فاعل يراقب أداء النواب، ويحاسبهم سياسيًا عند التقصير.
وهذا ما يفسر كيف يمكن للبرلمانات هناك أن تُسقط حكومات، أو تفرض تعديلات مالية مؤثرة، دون أن يُنظر إلى ذلك كتصعيد أو خصومة، بل كجزء من ديناميكية النظام الديمقراطي ذاته.
المال والانتخابات..
الاقتصاد السياسي للتمثيل النيابي
في زمن أصبحت فيه الحملات الانتخابية تُدار بعقلية السوق، لا يمكن تجاهل أثر المال السياسي في تشكيل البرلمانات.
فمن ناحية قانونية، تحاول التشريعات ضبط الإنفاق الانتخابي وحدوده، لكن الواقع يؤكد أن رأس المال السياسي بات يلعب دورًا جوهريًا في توجيه إرادة الناخبين، بل وفي تحديد طبيعة المرشحين القادرين على خوض السباق.
في الأنظمة الغربية، تُعتبر الشفافية في تمويل الحملات جزءًا من اقتصاد سياسي منظم يخضع للرقابة والمساءلة، وتتحمل الأحزاب مسؤولية الإفصاح المالي الكامل.
أما في الدول العربية، فغياب قواعد صارمة للإفصاح والتمويل يفتح الباب أمام خلل هيكلي، يجعل من البرلمان انعكاسًا — في بعض الأحيان — لموازين القوى الاقتصادية لا للتمثيل الشعبي الحقيقي.
وهنا يتضح الترابط الوثيق بين التشريع والاقتصاد: فبرلمان بلا استقلال مالي هو برلمان بلا قرار، وبرلمان يدار بالمال لا يمكن أن يراقب المال العام.
رؤية قانونية
مما لا شك فيه أن القوة الحقيقية للبرلمان لا تُقاس بعدد مقاعده، بل بقدرته على صناعة القرار الوطني فالبرلمان الفاعل ليس منبرًا للخطابة، بل مؤسسة تصوغ السياسات العامة وفق منطق القانون والاقتصاد معًا.
إن التحدي في مصر وسائر الدول العربية ليس في إجراء الانتخابات، بل في بناء بيئة تشريعية واقتصادية قادرة على إنتاج برلمان مستقل ومؤثر، يمتلك أدوات التحليل والمحاسبة، ويعكس صوت المجتمع لا صدى السلطة.
ولعل التجربة الخليجية، رغم اختلاف ظروفها، تقدم نموذجًا لتطور تدريجي نحو برلمان فاعل في التنمية، بينما التجربة الأوروبية تبقى المثال الأوضح على أن البرلمان القوي هو الضمانة الأولى لاقتصاد قوي، لأن التشريع الرشيد هو الذي يحدد الإطار القانوني للسوق، ويضمن التوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وفي الختام فإن الانتخابات البرلمانية القادمة في مصر ليست مجرد سباقٍ على مقاعد، بل اختبارٌ لقدرة المجتمع على استعادة معنى التمثيل الحقيقي، ومعيارٌ لمدى نضج التجربة السياسية في عالمٍ تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، والقرار التشريعي بالقرار المالي.
فإما أن نمتلك برلمانًا يصنع القرار، أو نبقى أسرى برلماناتٍ على الورق.
* مستشار مصري مقيم في عُمان