وهكذا توسع التشريع بالنسبة للتصنيف القانوني لجريمة غسل الأموال، كما بينا، وأيضا سيتوسع أكثر وأكثر في المستقبل، إذا ظللنا على هذا النمط ولن نستطيع النوم لأن الوضع سيكون له شأن مع كل يوم جديد ويصبح التشريع جزء من التاريخ، ليس إلا...
ولقد سار على هذا النهج الكثير من الدول التي أصبحت تتسارع مع الزمن في تعديل تشريعاتها من حين لآخر لزيادة “قائمة” جرائم جديدة تعتبر متحصلاتها من جرائم غسل الأموال. ويتم زيادة قوائم الجرائم، لأنه بدون هذه الجرائم وإثباتها لا يمكن محاربة مجرمي الجريمة أو غاسلي الأموال لعدم وجود الجريمة في الأساس، وبالتالي لا توجد متحصلات قذرة وغير مشروعة، وبالتالي لا يوجد غسل أموال، أو حتى لو وجد غسل الأموال فإنه لا يعاقب لأن جريمته غير مذكورة في التشريع، “ولا جريمة بدون نص”. ولكن، وكما يبدو، فإن مثل هذا السباق المحموم لتوسيع قاعدة الجرائم سيستمر إلى ما لا نهاية لأن هذا المجرم الخاص في كل يوم سيكتشف سبلا وطرقا جديدة لارتكاب جريمة غسل الأموال مع متعة التلذذ في تحويل الأموال “القذرة” الي أموال نظيفة “شرعية” تدور في دائرة الاقتصاد الشرعي وعلي رؤوس الأشهاد.
ولهذا، بدأت بل جنحت العديد من التشريعات في الآونة الأخيرة، نحو التوجه الى عدم ذكر أو حصر الجرائم التي تشكل متحصلاتها جريمة غسل الأموال. وبمقتضي هذا التوجه الحديث للتشريعات، الذي تبنته في البداية المحاكم الانجليزية ووجهت باتباعه، ستكون مكافحة غسل الأموال أكثر فعالية ولا تحدها أي حدود لابتعادها عن حصر “قائمة” معينة للجرائم. ولتحقيق هذا التوجه، فإن تشريعات مكافحة غسل الأموال يجب ألا تدخل في تحديد وذكر تفاصيل أنواع الجرائم التي تعتبر متحصلاتها تشكل جريمة غسل الأموال. ولهذا يكتفي بالنص، أن متحصلات أي جريمة، ومهما كانت الجريمة، فإنها تعتبر متحصلات جريمة غسل أموال. وبهذه الكيفية الحديثة فإن متحصلات أي جريمة وبدون حصر أو “قوائم جاهزة” تعتبر، ومهما كانت، تشكل جريمة غسل أموال خاصة عندما يبدأ المجرم تنظيفها عبر أي من المراحل الأساسية لغسل الأموال والتي تتطور في العادة من مرحلة “الإحلال” عبر الإيداع في البنوك مثلا أو شراء الأسهم والشركات والعقارات واليخوت والذهب والمجوهرات والأناتيك، الى مرحلة “التغطية” والتمويه ثم في نهاية المطاف الى مرحلة “الدمج” والاندماج في النظام الاقتصادي المالي النظيف الشرعي.
وبين ليلة وضحاها تتحول النقود القذرة والمتحصلات الاجرامية الى نقود نظيفة ومتحصلات قانونية شرعية، وكلنا نعشق جمعها والتعامل معها وبها وأصلها أتى من جرائم قذرة محرمة قانونا وشرعا.. وفي اعتقادنا، انه وباتباع هذا التوسع في التشريع فإن متحصلات كل الجرائم ومهما كان نوعها أو أصلها أو فصلها تقع تحت طائلة المساءلة القانونية عن جريمة غسل الأموال. وباتباع هذا الأسلوب، لا يمكن لأي غاسل للأموال أن يهرب بجريرته فقط لأن الجريمة التي ارتكبها ليست من ضمن قائمة الجرائم “الجاهزة – ردي ميد” التي تعامل متحصلاتها كجريمة غسل أموال.. ومن شمولية التشريع وعدم تحديده للجرائم سيتم إحكام وتوسيع المكافحة في مواجهة جريمة غسل الأموال ومرتكبيها، وهذا قطعا سيؤدي الى انكماشها حتي الضمور والهلاك ولو بعد حين.. وهذا في نظري، هو عين الهدف المقصود لتفعيل وتوسيع المكافحة حتي الاجتثاث التام. ولعمري، هذا طموح ممكن وتفاؤل مشروع، ونأمل أن يتم اتباعه في كل الدول لأن هذه الجريمة تهدد العالم في كل مكان وفي كل وقت وكل زمان، ولذا، وكرد فعل طبيعي فإن توسيع مواعين المكافحة أمر ضروري بل حتمي.
* مستشار وخبير القانوني