العدد 6222
الإثنين 27 أكتوبر 2025
عملات منهارة في محور متصدع
الإثنين 27 أكتوبر 2025

تتهاوى عملات خمس دول في الشرق الأوسط بشكل لافت في إيران، سوريا، اليمن، لبنان، والعراق. هذا الانهيار لا يمكن فصله عن السياقات السياسية التي تحكم هذه البلدان، إذ يجمعها خيط مشترك يتمثل في ارتباطها بدرجات متفاوتة بالمحور الإيراني، سواء عبر تحالفات مباشرة أو عبر نفوذ غير مباشر امتد إلى مؤسساتها المالية والاقتصادية. لكن ما يبدو للوهلة الأولى وكأنه أزمة نقدية، هو في جوهره انعكاس لانهيار النموذج السياسي الذي تبنّته هذه الدول، حيث تغلبت الأجندات الإقليمية على أولويات التنمية الوطنية.
في إيران، يرزح الريال تحت وطأة عقوبات اقتصادية خانقة فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي. لكن الأزمة أعمق من مجرد عقوبات، إذ إن جزءًا كبيرًا من الميزانية الإيرانية يُوجّه إلى تمويل أنشطة عسكرية خارج الحدود، من لبنان إلى اليمن، مرورًا بسوريا والعراق، وحتى السودان ونيجيريا. هذا الإنفاق الخارجي، إلى جانب غياب الشفافية واستقلالية البنك المركزي، جعل من الريال ضحية لسياسات توسعية لا تخدم الداخل الإيراني. ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون إعادة تعريف أولويات الدولة، بدءًا من تخفيف الإنفاق العسكري الخارجي، وصولًا إلى تحرير السوق وفتح قنوات تفاوض جدية مع الغرب. ويحاول النظام الإيراني منذ سنوات أن يظهر بمظهر الدولة القادرة على تجاوز أزماتها الاقتصادية، رغم أن الواقع يشير إلى تعقيدات بنيوية يصعب تجاوزها دون مراجعة جذرية للسياسات الإقليمية. فبينما يعلن المسؤولون الإيرانيون عن خطط للإصلاح، مثل تقليص الاعتماد على النفط، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي، وتطوير البنية التحتية الصناعية، فإن هذه المحاولات تصطدم بجدار من العزلة السياسية التي صنعها النظام نفسه عبر استعداء محيطه العربي والخليجي. التدخلات العسكرية في سوريا واليمن، ودعم شبكات مسلحة في العراق ولبنان، لم تؤدِ فقط إلى استنزاف الموارد المالية، بل ساهمت في تقويض الثقة الإقليمية والدولية بالاقتصاد الإيراني، ما أدى إلى انسحاب الاستثمارات، وتجميد التعاون، وتوسع العقوبات. في الداخل، يحاول النظام الترويج لسياسات اقتصاد المقاومة، وهي مقاربة تقوم على الاكتفاء الذاتي، لكنها في الواقع تعني مزيدًا من الانغلاق، وحرمان السوق من التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي. كما أن محاولات ضبط سعر الريال عبر تدخلات البنك المركزي لم تنجح في وقف التدهور مما ادى لانخفاض سعر صرفه لأدني مستوياته.
بسبب استمرار تهريب الدولار، وتفشي السوق السوداء، وغياب الشفافية. الإصلاح الحقيقي في إيران لا يمكن أن يتم دون إعادة تعريف العلاقة مع الجوار، ووقف تصدير الأزمات، والاعتراف بأن التنمية لا تنمو في ظل العسكرة والعقوبات، بل في ظل الثقة والانفتاح.
أما في سوريا، فقد تحولت الليرة إلى رمز لانهيار الدولة نفسها. الحرب المستمرة بشكل أو بآخر منذ عام 2011 دمّرت البنية الاقتصادية، وأدخلت البلاد في دوامة من العقوبات، أبرزها قانون قيصر الأميركي الذي رفع مؤخرا. النظام السوري، الذي يعتمد على دعم مالي من إيران وحزب الله، لم ينجح في بناء اقتصاد إنتاجي، بل عزز اقتصادًا ريعيًّا قائمًا على التهريب والمحسوبيات. الإصلاح هنا لا يمكن أن يبدأ إلا بتسوية سياسية شاملة تفتح باب إعادة الإعمار، وتعيد الثقة للمستثمرين، وتفكك العلاقة العضوية بين الاقتصاد والأجهزة الأمنية.
منذ توليه منصب الرئاسة في سوريا، أطلق الرئيس أحمد الشرع سلسلة من المبادرات الاقتصادية تهدف إلى انتشال البلاد من دوامة الانهيار المالي التي تفاقمت على مدى أكثر من عقد من الحرب والعقوبات. الشرع، الذي جاء بخطاب إصلاحي يختلف عن نهج النظام السابق، ركّز في أولوياته على إعادة هيكلة الاقتصاد السوري بعيدًا عن الريعية والتهريب، وباتجاه الإنتاج والاستثمار. في خطاباته العلنية، شدد على ضرورة فصل الاقتصاد عن الأجهزة الأمنية، وإعادة الاعتبار للمؤسسات المدنية، وعلى رأسها البنك المركزي، الذي بدأ تحت إشرافه باستعادة بعض من استقلاليته في إدارة السياسة النقدية.
أحد أبرز تحركاته تمثلت في فتح قنوات تواصل مع دول الخليج، في محاولة لاستعادة الثقة الإقليمية التي فُقدت خلال سنوات الحرب. أرسل وفودًا اقتصادية إلى الرياض وأبوظبي، وعرض خارطة طريق لإعادة الإعمار تقوم على الشراكة لا على المحاصصة، متعهدًا بضمانات قانونية للمستثمرين الخليجيين، وتحييد المشاريع التنموية عن التجاذبات السياسية. كما أطلق برنامجًا لإعادة تأهيل البنية التحتية في المدن الرئيسية، بتمويل جزئي من المغتربين السوريين، وبإشراف مباشر من لجنة اقتصادية مستقلة شكلها حديثًا.

الشرع لم يغفل عن البعد الاجتماعي للأزمة، إذ أعلن عن خطة لدعم الأسر الأكثر تضررًا عبر بطاقات تموينية رقمية، وربطها بمنصة إلكترونية تهدف إلى تقليص الفساد في توزيع الدعم. كما بدأ بإصلاح النظام الضريبي، وتوسيع قاعدة الجباية لتشمل القطاعات غير الرسمية، في محاولة لزيادة الإيرادات دون إثقال كاهل الطبقة الوسطى.

ورغم أن هذه الخطوات لا تزال تواجه تحديات كبيرة، من بينها بقايا النفوذ القديم، وتبعات العقوبات الغربية، إلا أن خطاب الشرع الاقتصادي يُنظر إليه على أنه بداية لتحول تدريجي في بنية الدولة السورية، من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد التعافي. نجاحه في ذلك سيعتمد على قدرته في بناء توافق داخلي، واستعادة الثقة الخارجية، وتقديم نموذج حكم مختلف عمّا عرفته سوريا في العقود الماضية.

أما في اليمن، يواجه الريال حالة من الانقسام تعكس انقسام الدولة نفسها. المؤسسات المالية منقسمة بين صنعاء وعدن، والاحتياطي النقدي تآكل بشكل مخيف خلال العقد الأخير. الحرب الأهلية، والتدخلات الخارجية، وتمويل الميليشيات، كلها عوامل ساهمت في انهيار العملة. الحل يبدأ بتوحيد المؤسسات المالية تحت سلطة وطنية مستقلة، ووقف الحرب، وتوجيه الموارد نحو التنمية، وليس نحو الصراع.

تجاوز اليمن لانهيار عملته يتطلب أكثر من مجرد إجراءات مالية؛ إنه بحاجة إلى إعادة بناء الدولة من الأساس، سياسيًا واقتصاديًا ومؤسساتيًا. فالريال اليمني لا ينهار فقط بسبب الحرب، بل بسبب غياب الثقة، الانقسام المؤسساتي، وانعدام الرؤية الاقتصادية المستقلة. ومع ذلك، هناك مسارات واقعية يمكن أن تشكّل بداية التعافي إذا توفرت الإرادة الوطنية والدعم الإقليمي والدولي.

أولًا، لا بد من توحيد المؤسسات المالية، وعلى رأسها البنك المركزي، الذي يعاني من انقسام بين صنعاء وعدن. هذا الانقسام يخلق سوقين متوازيين للعملة، ويمنع أي سياسة نقدية موحدة من أن تكون فعالة. إعادة توحيد البنك المركزي تحت سلطة وطنية مستقلة، بعيدًا عن التجاذبات السياسية، هو الخطوة الأولى نحو استقرار الريال.

ثانيًا، يجب وقف النزيف المالي الناتج عن الحرب والفساد. الإنفاق على الميليشيات، والتهريب عبر المنافذ غير الرسمية، واستنزاف الاحتياطي النقدي، كلها عوامل تضعف قدرة الدولة على ضبط السوق. أي خطة إصلاح يجب أن تتضمن رقابة صارمة على التحويلات المالية، وإغلاق قنوات التهريب، وإعادة هيكلة الإنفاق العام لصالح الخدمات الأساسية والتنمية.

ثالثًا، يمكن لليمن أن يستفيد من دعم خليجي مشروط بالإصلاح، خاصة من السعودية والإمارات، عبر برامج تنموية ومساعدات مالية مرتبطة بتحقيق مؤشرات شفافية ومساءلة. هذا الدعم يجب أن يُدار عبر آليات دولية تضمن وصوله إلى المؤسسات الشرعية، لا إلى شبكات المحسوبية، وذلك من خلال بناء المشاريع وادارتها من قبل الممولين. 

رابعًا، لا بد من تنشيط القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصيد والصناعات الصغيرة، التي يمكن أن توفر فرص عمل وتقلل الاعتماد على الاستيراد. دعم هذه القطاعات عبر تمويلات صغيرة، وتدريب، وربطها بأسواق الخليج، يمكن أن يشكّل رافعة حقيقية للريال.

وأخيرًا، فإن استعادة الثقة هي العامل الحاسم. لا يمكن لأي عملة أن تستقر في ظل غياب الثقة بالمؤسسات، أو في ظل استمرار الحرب. الحل السياسي الشامل، الذي يضمن مشاركة جميع الأطراف في إدارة الدولة، هو الإطار الذي يمكن أن يُبنى عليه أي إصلاح اقتصادي. فالريال اليمني لا يحتاج فقط إلى سياسات نقدية، بل إلى دولة تستحق أن تُثق بها.

أما لبنان فيقدم نموذجاً فريدًا لانهيار العملة نتيجة انهيار الثقة. منذ عام 2019، دخل النظام المصرفي في حالة شلل، وتراجعت الليرة بشكل غير مسبوق. لكن الأخطر هو تهريب الدولار إلى سوريا والعراق، ومنها إلى إيران، عبر شبكات مرتبطة بحزب الله، ما فاقم الأزمة وأفرغ السوق من السيولة. غياب الرقابة، وارتفاع الدين العام، وتراجع الاحتياطي النقدي، كلها عوامل جعلت من الليرة ضحية لفساد ممنهج.

إلى جانب ذلك، ساهمت مواقف الحكومة اللبنانية في تعميق العزلة الاقتصادية، خصوصًا بعد سلسلة من التصريحات والمواقف التي اعتُبرت مستفزة تجاه المملكة العربية السعودية -الداعم الأكبر للدولة اللبنانية-، أبرزها تصريحات وزراء مقربين من حزب الله حول التدخل السعودي في اليمن، والتي أثارت غضبًا خليجيًا واسعًا. هذا التوتر السياسي دفع الرياض إلى سحب استثماراتها من لبنان، ووقف الدعم المالي المباشر، ما شكّل ضربة قاصمة للاقتصاد اللبناني الذي كان يعتمد جزئيًا على التحويلات الخليجية والاستثمارات السعودية في القطاعين المصرفي والسياحي. هذا الانسحاب لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي، بل كان عاملًا مباشرًا في تسريع انهيار الليرة، وتفاقم الأزمة النقدية.

الإصلاح في لبنان يبدأ بإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وضبط الحدود، وتحييد الاقتصاد عن الصراعات الإقليمية، والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي يتضمن إصلاحات جذرية. لكن الأهم من ذلك، هو إعادة الاعتبار للعلاقات الخليجية، ليس فقط كمصدر دعم مالي، بل كرافعة استراتيجية لإعادة لبنان إلى خارطة الاستقرار.

أما العراق، فرغم ثروته النفطية، يعيش الدينار حالة من التدهور نتيجة فساد مستشري وتبعية سياسية واقتصادية لإيران. تهريب الدولار، وضعف التنويع الاقتصادي، كلها عوامل ساهمت في تآكل قيمة الدينار. الإصلاح يتطلب تعزيز استقلالية البنك المركزي، وتفعيل الرقابة على التحويلات المالية، وتنمية القطاعات غير النفطية التي يمكن أن توفر بدائل حقيقية للدينار المنهك.

ورغم امتلاكه واحدة من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، يعيش العراق أزمة نقدية متفاقمة تُضعف الدينار وتُربك السوق. هذه المفارقة بين الثروة الطبيعية والانهيار المالي تعكس خللاً عميقًا في بنية الدولة العراقية، حيث يتداخل الفساد، التبعية السياسية، وغياب التخطيط الاقتصادي في إنتاج واقع هش لا يمكن أن يصمد أمام أي ضغط داخلي أو خارجي.

من أبرز أسباب تدهور الدينار العراقي هو استمرار تهريب الدولار إلى إيران عبر فواتير تجارية مزورة، وهي عملية ممنهجة تستنزف احتياطي البنك المركزي وتُضعف قدرة الدولة على التحكم بسعر الصرف. هذا التهريب لا يتم فقط عبر شبكات غير رسمية، بل أحيانًا بتواطؤ من داخل مؤسسات الدولة، ما يجعل الإصلاح المالي مرتبطًا مباشرة بالإصلاح السياسي ومكافحة الفساد.

إلى جانب ذلك، يعاني العراق من ضعف التنويع الاقتصادي، إذ يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط، التي تُستخدم لتغطية الرواتب والنفقات التشغيلية دون أن تُستثمر في قطاعات إنتاجية. هذا الاعتماد المفرط يجعل الاقتصاد العراقي عرضة لتقلبات أسعار النفط العالمية، ويُضعف قدرة الدينار على الصمود في وجه الأزمات.

محاولات الإصلاح بدأت تظهر في شكل إجراءات من البنك المركزي، مثل تقنين التحويلات، وتحديث نظام الدفع الإلكتروني، وتقييد المزادات اليومية للدولار. لكن هذه الإجراءات تبقى محدودة التأثير ما لم تُرافقها خطوات أكثر جرأة، مثل تعزيز استقلالية البنك المركزي، وتفعيل الرقابة على التحويلات المالية، وإعادة هيكلة القطاع العام الذي يستهلك الجزء الأكبر من الميزانية.

الأمل الحقيقي يكمن في تنمية القطاعات غير النفطية، مثل الزراعة، السياحة، والصناعات التحويلية، التي يمكن أن توفر فرص عمل وتُعيد التوازن إلى الاقتصاد. كما أن بناء شراكات اقتصادية مع دول الخليج، بعيدًا عن التجاذبات السياسية، يمكن أن يشكّل رافعة حقيقية للدينار العراقي، خاصة إذا تم ضمن إطار شفاف يضمن حماية الاستثمارات ويُعيد الثقة بالبيئة الاقتصادية العراقية.

يجب علينا هنا ان نقر بأن الدينار العراقي لن يستعيد عافيته بمجرد إجراءات نقدية، بل يحتاج إلى دولة قوية، مستقلة، ومؤسسات قادرة على فرض القانون، وحماية المال العام، وتوجيه الثروة نحو التنمية لا نحو المحاصصة. العراق يملك الإمكانيات، لكن عليه أن يملك الإرادة.

في نهاية المطاف، لا يكمن القاسم المشترك بين إيران وسوريا واليمن ولبنان والعراق في مجرد انهيار عملاتها الوطنية، بل في تبنيها لنموذج سياسي واقتصادي مأزوم، يقوم على التبعية للخارج، والعسكرة المفرطة، وتفشي الفساد داخل مؤسسات الدولة. هذه الدول لم تسقط عملاتها بفعل عوامل تقنية أو ظرفية فحسب، بل نتيجة تراكمات عميقة في طريقة إدارة الدولة، حيث تحوّلت السلطة من أداة لخدمة المواطن إلى وسيلة لتنفيذ أجندات إقليمية، غالبًا ما تكون منفصلة عن مصالح شعوبها.

الإصلاح في هذا السياق لا يمكن أن يُختزل في إجراءات مالية أو سياسات نقدية، مهما كانت دقيقة، بل يتطلب مراجعة شاملة للعلاقة بين الدولة ومواطنيها، وبين الداخل والخارج. فحين تصبح الدولة رهينة لتحالفات خارجية، وتُوجّه مواردها لدعم ميليشيات أو مشاريع نفوذ إقليمي، فإن الثقة الداخلية تتآكل، ويصبح المواطن في حالة اغتراب عن مؤسسات الحكم.

أما حين تعود الدولة إلى مواطنيها، وتعيد ترتيب أولوياتها لتضع التنمية والعدالة والشفافية في مقدمة أهدافها، فإن التعافي يصبح ممكنًا، حتى لو كانت العملة قد وصلت إلى الحضيض. فالقيمة الحقيقية للعملة لا تُقاس فقط بسعر الصرف، بل بثقة الناس في مستقبلهم، وفي قدرة دولتهم على حماية مصالحهم. وعندما تُستعاد هذه الثقة، يمكن حتى لأكثر العملات انهيارًا أن تُبعث من جديد، لا كرمز مالي فحسب، بل كدلالة على عودة الدولة إلى وظيفتها الأساسية: خدمة شعبها، لا خدمة مشاريع الآخرين.

 

مستشار سياسي بحريني

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية