
تُعد الممرات البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر من أكثر النقاط حساسية في معادلة الأمن العالمي للطاقة، فهي ليست مجرد خطوط عبور للسفن، بل شرايين استراتيجية تنقل النفط والغاز والسلع من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية. هذه الممرات، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس، تربط بين مصادر الطاقة في الخليج وبين المستهلكين في آسيا وأوروبا وأمريكا، ما يجعل استقرارها ضرورة قصوى ليس فقط للدول المنتجة، بل أيضًا للدول المستهلكة التي تعتمد عليها في تأمين احتياجاتها الحيوية.
في هذا السياق، يبرز التنسيق البحريني–السعودي كعامل محوري في حماية هذه الممرات وضمان أمنها، ضمن منظومة أمنية إقليمية ودولية تتفاعل مع تحولات جيوسياسية متسارعة. فالتعاون بين المنامة والرياض لم يعد مقتصرًا على التصريحات السياسية، بل تحول إلى شراكة عملية تشمل تدريبات بحرية مشتركة، وتطوير أنظمة مراقبة ذكية، والمشاركة في تحالفات دولية لحماية الملاحة مثل “التحالف الدولي لأمن الملاحة البحرية”. هذه الجهود تعكس إدراكًا عميقًا بأن أمن المضايق البحرية لا يمكن تركه للصدفة، خاصة في ظل التهديدات الإيرانية المتكررة بإغلاق مضيق هرمز، ودعم الميليشيات المسلحة في البحر الأحمر.
الاستثمارات العسكرية في هذا المجال تعكس جدية الدولتين في حماية مصالحهما ومصالح شركائهما الدوليين. فقد خصصت السعودية ميزانيات ضخمة لتحديث أسطولها البحري، تجاوزت 15 مليار دولار خلال السنوات الأخيرة، فيما استثمرت البحرين في تعزيز قدراتها التقنية لمراقبة السواحل والممرات الحيوية. هذه الاستثمارات لا تهدف فقط إلى رفع الجاهزية العسكرية، بل تسعى إلى بناء منظومة أمنية متكاملة تتفاعل مع التهديدات المستجدة، وتضمن استمرار حركة التجارة والطاقة دون انقطاع.
غياب الأمن في هذه الممرات لا ينعكس فقط على ناقلات النفط، بل يمتد تأثيره إلى كل سفينة تحمل بضائع إلى موانئ الخليج. فكل اضطراب في الملاحة يعني تأخيرًا في الشحن، وارتفاعًا في تكاليف التأمين، وزيادة في أسعار النقل، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع في الأسواق الخليجية. وقد شهدت المنطقة في فترات التوتر ارتفاعًا في أسعار السلع الأساسية بنسبة وصلت إلى 12 % خلال أسابيع، نتيجة اضطراب الملاحة في باب المندب. وهذا يوضح كيف أن الأمن البحري ليس قضية عسكرية فحسب، بل مسألة تمس حياة الناس اليومية، من فاتورة الوقود إلى كلفة الغذاء.
أما سياسيًّا، فيتجسد التنسيق البحريني–السعودي في مواقف موحدة داخل المنصات الإقليمية والدولية، مثل مجلس التعاون الخليجي ومنظمة الملاحة البحرية الدولية، حيث تدعم الدولتان مبادرات مشتركة لضمان حرية الملاحة ورفض التدخلات الخارجية. كما يُعد مؤتمر “حوار المنامة” منصة مهمة تجمع صناع القرار الإقليميين والدوليين لمناقشة أمن الملاحة والطاقة، بمشاركة سعودية فاعلة، ما يعزز من مكانة البحرين كمركز للحوار الاستراتيجي في المنطقة.
هذا التنسيق لا يقتصر على البعد الثنائي، بل يشكل جزءًا من استراتيجية إقليمية تهدف إلى احتواء النفوذ الإيراني، وتعزيز الأمن العربي، خاصة في ظل التهديدات التي تواجهها مصر واليمن من جهة البحر الأحمر. كما يسهم في ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية، إذ إن أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، ويؤثر في الاقتصاد العالمي برمته. ومن خلال هذا الدور، تعزز البحرين والسعودية شراكتهما مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، الذين يعتمدون على استقرار هذه الممرات لتأمين احتياجاتهم من الطاقة.
ولا يجب اغفال مسألة أن الدور البحريني–السعودي في حماية الملاحة البحرية لا يقتصر على الإجراءات الأمنية، بل يشمل بناء منظومة استراتيجية متكاملة تتفاعل مع التحولات الإقليمية والدولية، وتؤكد أن أمن الطاقة العالمي يبدأ من أمن المضايق والممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر. هذا التنسيق يُعد نموذجًا للتعاون العربي الفاعل في مواجهة التحديات العابرة للحدود، ويعكس قدرة الدول الخليجية على لعب دور مؤثر في صياغة معادلات الأمن الإقليمي والدولي، ليس فقط من خلال القوة، بل عبر الرؤية والالتزام والاستثمار في الاستقرار.