في عالم تتداخل فيه السياسة بالإعلام، تبرز البروباغندا كواحدة من أكثر الظواهر إثارة للجدل؛ فهي ليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات، بل أداة قادرة على تشكيل العقول وتوجيه المجتمعات نحو أهداف قد تكون نبيلة.. أو مدمّرة.
الكلمة نفسها تحمل جذورًا دينية؛ فقد ظهرت أول مرة في القرن السابع عشر ضمن مؤسسة أنشأها الفاتيكان لنشر الكاثوليكية في وجه الإصلاح البروتستانتي. حينها، لم تكن البروباغندا تُعتبر سلبية، بل كانت تعني ببساطة “نشر الإيمان”. لكن مع مرور الوقت، تغيّر المعنى وتحوّل إلى شيء أكثر تعقيدًا، وأحيانًا أكثر خطورة. مع تطور وسائل الاتصال الجماهيري في القرن التاسع عشر، بدأت البروباغندا تتسلل إلى السياسة، وبلغت ذروتها خلال الحربين العالميتين. استخدمتها الحكومات لتعبئة الشعوب، وتبرير الحروب، وصناعة صورة للعدو تُثير الخوف والكراهية.
وفي الأنظمة الشمولية، لم تعد البروباغندا مجرد أداة إعلامية، بل أصبحت منظومة متكاملة للسيطرة على الفكر والمشاعر. أمثلة التاريخ كثيرة ومؤلمة. في ألمانيا النازية، بنى هتلر آلة دعائية ضخمة بقيادة غوبلز، روّجت لتفوق العرق الآري وشيطنة اليهود؛ ما مهّد الطريق للهولوكوست. وفي العراق، استخدم نظام صدام حسين البروباغندا لتكريس صورة الزعيم الأوحد، وتشويه صورة المعارضين، خاصة من الشيعة والأكراد، مبررًا بذلك حملات قمعية مثل الأنفال. أما في إيران، فقد وظّفت الثورة الإسلامية البروباغندا لتثبيت شرعية النظام الجديد، وتصويره كحركة إلهية ضد “الطغيان الغربي”، مع استهداف الأقليات غير الشيعية، كالبهائيين، بحملات تشويه ممنهجة. لكن هل للبروباغندا وجه إيجابي؟ في بعض السياقات، نعم. خلال الأزمات، يمكن أن توحّد الناس وتدفعهم للعمل الجماعي. وقد تُستخدم لنشر قيم مثل المواطنة والتسامح، إذا ما كانت ضمن إطار ديمقراطي يحترم الحقيقة والتعددية.
ومع ذلك، فإن الخطر يكمن في استخدامها لتزييف الواقع، وتبرير العنف، وقمع الآخر. عبر التاريخ، كانت البروباغندا هي الأداة التي مهّدت الطريق لكوارث إنسانية، من الهولوكوست، إلى مذابح رواندا، إلى اضطهاد الروهينغا. في كل مرة، تبدأ القصة بتشويه صورة الضحية، وتضخيم الخوف، ثم تبرير الإقصاء.. وربما الإبادة. ومن أخطر أوجه البروباغندا حين تُستخدم كأداة للتدخل الأجنبي في شؤون الدول، إذ تتحول إلى وسيلة ناعمة لتقويض السيادة وزرع الانقسام الداخلي. في العصر الرقمي، لم تعد هذه التدخلات بحاجة إلى جيوش أو احتلال، بل يكفي خطاب مدروس، ومنصات إعلامية، وجمهور قابل للتأثر. أحد أبرز الأمثلة على ذلك هو التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية بالعام 2016، حيث استخدمت جهات مرتبطة بالحكومة الروسية وسائل التواصل الاجتماعي لنشر محتوى دعائي يهدف إلى التأثير على الرأي العام الأمريكي، وتعزيز الانقسام السياسي والاجتماعي.
وفي أوروبا، واجهت دول مثل ألمانيا وفرنسا حملات دعائية رقمية تهدف إلى زعزعة الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، وتشويه صورة المهاجرين، وإثارة النزعات القومية. أما في العالم العربي، فقد شهدت بعض الدول خلال فترات الاضطراب السياسي تدفقًا مكثفًا لمحتوى دعائي من جهات خارجية، يروّج لروايات معينة ويؤجج الانقسامات الطائفية أو العرقية، كما حدث خلال الأزمة الليبية والسورية، حيث تنافست قنوات إعلامية مدعومة خارجيًا على تشكيل الوعي المحلي وفقًا لأجندات إقليمية ودولية. هذا النوع من البروباغندا لا يكتفي بالتأثير في المواقف السياسية، بل يعيد تشكيل الهوية الوطنية، ويزرع الشك في المؤسسات، ويغذي مشاعر الاستقطاب؛ ما يجعل المجتمعات أكثر هشاشة أمام التدخلات الخارجية.
في نهاية المطاف، لا يمكن النظر إلى البروباغندا على أنها مجرد تقنية إعلامية محايدة؛ إنها أداة سياسية ذات قدرة هائلة على تشكيل الوعي الجمعي، وتوجيهه نحو البناء أو الهدم. إن تفكيك خطاب البروباغندا وفهم آلياتها ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة ملحّة لبناء مجتمعات أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على مقاومة التلاعب، وحماية حقوق الإنسان، خاصة حقوق الأقليات التي غالبًا ما تكون أول من يُستهدف في حملات التشويه والإقصاء.
وهنا تبرز أهمية مؤسسات المجتمع المدني، ليس فقط كجهات رقابية، بل كحاضنات للوعي الوطني، وقنوات للتثقيف والتماسك الاجتماعي. في البحرين، تتوفر أرضية خصبة لهذا الدور؛ بفضل وجود مؤسسات راسخة مثل مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، ومعهد التنمية السياسية. هذه الجهات تمتلك الخبرة والبنية اللازمة لتشكيل خطاب مضاد للبروباغندا المضللة، لكنها لا تستطيع العمل بمعزل عن المجتمع؛ فالتعاون الشعبي، والانخراط الواعي، هو ما يمنح هذه المؤسسات قوتها الحقيقية، ويحوّلها من أدوات رسمية إلى شركاء في بناء وطن أكثر وحدة، وأكثر قدرة على صدّ كل ما يهدد نسيجه المتعدد والمتماسك.
مستشار سياسي بحريني