في خضم التفاعلات الإقليمية المتسارعة، تبرز الاستراتيجية الإعلامية الإيرانية بوصفها نموذجًا فريدًا في إدارة التناقضات وتوظيفها كأداة نفوذ، لا كعبء سياسي. فإيران، التي لطالما استخدمت تعددية الأصوات داخل مؤسساتها الرسمية، لا تقدم خطابًا موحدًا بشأن بشكل عام، بل تتعمد توزيع الأدوار بين ثلاثة مستويات متباينة: خطاب المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، خطاب الحرس الثوري والمؤسسة العسكرية، وخطاب السياسيين الآخرين، خصوصًا أولئك المنتمين للتيار الإصلاحي أو البراغماتي.
اللافت في هذا التوزيع ليس مجرد التباين في النبرة أو اللغة، بل التناقض البنيوي الذي يصل حد التنازل الرمزي من جهة، والرفض القاطع من جهة أخرى. ففي أعقاب مقتل السيد حسن نصر الله، برز خطاب خامنئي بنبرة هادئة، توحي باستعداد ضمني للتخلي عن الشخص دون التخلي عن المشروع؛ إذ أشار إلى أن “المقاومة لا ترتبط بشخص”، وهي عبارة محمّلة بدلالات سياسية، تُقرأ في سياق محاولة امتصاص الصدمة، وفتح نافذة تفاوضية مع الغرب دون المساس بجوهر العلاقة مع حزب الله.
في المقابل، جاء خطاب الحرس الثوري أكثر تشددًا، وأكثر رفضًا لأي مقاربة تتعلق بنزع سلاح الحزب أو إعادة النظر في دوره. تصريحات قادة الحرس، التي نُشرت عبر منصات مثل وكالة “تسنيم”، لم تكتف برفض الطرح اللبناني، بل اعتبرته امتدادًا مباشرًا لإرادة أميركية إسرائيلية، لا يمكن القبول بها تحت أي ظرف. هذا الخطاب لا يُوجَّه إلى الخارج بقدر ما يُستخدم داخليًا لتثبيت الروح التعبوية، ولطمأنة الحاضنة الإيرانية بأن مشروع “المقاومة” لا يزال في مأمن، على رغم المتغيرات.
أما السياسيون الإيرانيون، خصوصًا أولئك الذين يتقنون لعبة التوازن بين الداخل والخارج، فقد تبنوا خطابًا متذبذبًا، يراوح بين التلميح بإمكان الحوار، وبين التراجع أمام ضغط المؤسسة العسكرية. هذا التذبذب ليس ارتباكًا، بل تكتيك محسوب، يُوظف في المحافل الدولية لتقديم إيران كدولة قابلة للتفاوض، دون أن يعني ذلك أي تغيير جوهري في القرار الاستراتيجي، الذي يبقى بيد المرشد والحرس.
الخطاب الإيراني الأخير حول نزع سلاح حزب الله، الذي جاء على لسان مستشار خامنئي، علي أكبر ولايتي، كشف عن عمق هذا التناقض الاستراتيجي. فبينما توحي تصريحات خامنئي السابقة بإمكان التنازل الرمزي، عاد ولايتي ليؤكد أن “بنية حزب الله لا تزال قوية جدًا”، وأن أي محاولة لنزع سلاحه هي “مشروع أميركي إسرائيلي محكوم بالفشل”. هذا التباين في التوقيت والسياق يفتح الباب لتساؤلات جدية حول مدى التنسيق بين مؤسسات الحكم في إيران، وهل باتت التعددية الخطابية عبئًا يصعب ضبطه، أم أنها ما تزال تحت السيطرة وتُستخدم بذكاء لتعدد الرسائل وتوزيع الأدوار؟
في المحصلة، لا يمكن قراءة الاستراتيجية الإعلامية الإيرانية إلا بوصفها منظومة متكاملة من التناقضات المدروسة؛ فخطاب خامنئي يُستخدم لتخفيف الضغط الدولي، وخطاب الحرس الثوري يُستخدم لتثبيت الردع الإقليمي، وخطاب السياسيين يُستخدم لفتح قنوات تفاوض مرنة. لكن هذه المنظومة، مهما بدت متماسكة، تبقى عرضة للاهتزاز إذا قررت الحكومة اللبنانية المضي قدمًا في نزع سلاح حزب الله بدعم أميركي مباشر، أو إذا تصاعدت الضغوط الدولية إلى حد يفرض على إيران إعادة النظر في أدواتها، لا في خطابها فقط.
مستشار سياسي بحريني