العدد 6174
الثلاثاء 09 سبتمبر 2025
الثقة العمياء... عندما تتحول إلى سبب للهلاك
الثلاثاء 09 سبتمبر 2025

لقد رأيت خلال مسيرتي في أسواق المال كيف خسر كثيرون ثرواتهم، ليس بسبب ضعف المعرفة أو قلة الإمكانيات، بل بسبب رفضهم الانضباط بالقواعد البسيطة. وقف الخسارة ليس عدوًا لتحليلك، بل هو صمام أمان يحميك من خسارة رأس المال. تمامًا كما أن حزام الأمان لا يشكك في مهارتك كسائق، بل يحميك من مفاجآت الطريق..

في الطائرة، يعلن الطاقم بهدوء: “رجاءً اربطوا أحزمة الأمان”. يتنفس بعض الركاب بارتياح، بينما يتذمّر آخرون: “لماذا كل هذا التشدد؟ أنا مرتاح ولا حاجة لهذا الحزام”.
الحزام هنا ليس خيارًا للراحة، بل وسيلة نجاة في لحظة ارتباك قد لا يتوقعها أحد. ومع ذلك، يرفض البعض القاعدة بحجة الثقة في الظروف .

وفي السيارة، المشهد مشابه. كثيرون يتجاهلون ربط الحزام، ويقولون بثقة: “أنا سائق متمكن... أعرف الطريق جيدًا... ولن يحدث شيء”. لكن الطرق لم تسأل يومًا عن خبرة السائقين، والحوادث لم تستأذن أحدًا قبل أن تقع .

أما في الأسواق المالية، فالصورة أكثر خطورة. يدخل المتداول بثقة عالية، يرفض أوامر وقف الخسارة بحجة أن تحليله لا يخطئ. وكلما هبط السوق، عزز مراكزه، وكأن العناد وسيلة للانتصار. لكن الأسواق قاسية، لا ترحم من يظن أنه أقوى منها. وعندما تتبخر الحسابات، لا يجد هذا المستثمر سوى تعليق الهزيمة على شماعة الحظ: “السوق ظلمني... الحظ ضدي”.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك: الحظ لم يكن عدوك، بل كانت قراراتك أنت.

المشكلة ليست في السوق، ولا في الحظ، بل في الإنسان عندما تتحول ثقته بنفسه إلى ثقة عمياء تعميه عن رؤية المخاطر. الأسواق علمتني أن الشجاعة ليست في الإصرار على البقاء في صفقة خاسرة، بل في القدرة على الاعتراف بالخطأ والخروج قبل أن يتضخم.

الحياة، مثل السوق، لا ترحم من يستهين بالقوانين. الطائرة لا تمنح فرصة ثانية لربط الحزام بعد الاضطراب، والسيارة لا تعطيك وقتًا لتذكر الحزام بعد وقوع الحادث، والسوق لا ينتظرك لتقرر وقف الخسارة بعد الانهيار.

لا أحد يندم على حزام أنقذ حياته..  
.. ولا أحد يندم على وقف خسارة أنقذ رأس ماله
لكن كثيرين يندمون على ثقة عمياء جعلتهم يتجاهلون القواعد... ودفعوا الثمن غاليًا
والحقيقة الصادمة: السوق لا يظلم أحدًا... من يظلم نفسه هو من يرفض الحماية

في الختام  
نحتاج جميعًا الوعي الثقافي الاقتصادي ونواصل المعرفة بطبيعة تحركات الاسواق المالية العالمية ونكون مرنين في الاستراتيجية ولكن نثبت علي القاعدة الصلبة وهي الحماية. 

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية