العدد 6161
الأربعاء 27 أغسطس 2025
من بيتنا بدأت المحفظة
الأربعاء 27 أغسطس 2025

في بيتنا، لم تكن هناك دورات مالية، ولا خطط تقاعد، ولا حديث عن المحافظ المتنوعة أو صناديق الاستثمار. لكن ما كان موجودًا أهم من كل ذلك... عقلية مالية حكيمة تشكّلت بالتجربة، وبُنيت على النية، وتغذت على الصبر. 

البداية من “يدّي” (جدي) 
لم يكن “يدي” - رحمه الله - يحمل شهادة في الاقتصاد، ولا قرأ كتابًا في الإدارة المالية. لكنه قدّم لي أول درس لا يُنسى في إدارة المال  علّمني كيف نقسّم ما نملك: جزء للاحتياجات، جزء للطوارئ، وجزء لا يُمسّ... “لليوم الأسود”.
لكنه لم يكتفِ بالادخار؛ بل كان يرى في المال وسيلة لبناء أصول
قطعة أرض صغيرة، مسوغات ذهب، سهم بسيط في جمعية تعاونية كلها كانت أدوات لبناء استقرار طويل الأمد . لم يكن يسميها “استثمارات”، لكنه كان يعرف تمامًا أن المال إن بقي ثابتًا خسر قيمته، وإن تحرّك في الاتجاه الصحيح أصبح مصدرًا للراحة لاحقًا. كان يقول بابتسامته المعتادة في أوقات الشدة:

“المال في مكان جيد... ننتظر وقته”. 
هكذا تعلّمت الصبر المالي، وتعلّمت كيف أن الحكمة أحيانًا تسبق الشهادات. 

ثم جاء والدي
والدي، موظف في شركة النفط، لم يغيّر القاعدة، بل عزّزها ولم يتحدث عن “تحليل مالي” أو “إدارة مخاطر”، لكنه عاشهما. كان يشتري الأصول حتى لو بالدَّين أحيانًا، يقول: 
“إن كان الدين سيُنفق على أصل سينمو فهو ليس عبئًا بل استثمار”. 
كان يضع جزءًا من دخله الشهري في جمعيات ناشئة، أسهم تعاونية. ربما لم يكن يدرك أن هذه القواعد ستُدرَّس لاحقًا في أكبر الجامعات تحت عناوين: تنويع المحفظة - بناء الأصول - إدارة السيولة - التحوّط ضد التضخم. لكننا كنا نعيشها... ونتعلّمها من دون أن نُدرك أننا نحمل بذور فكر استثماري عميق. 

بين الأمس واليوم
في زمننا هذا، تسارعت المعارف، وتطورت الأدوات، لكن هل تطور السلوك؟
نعم، تدرّس الجامعات اليوم ما كان يطبقه “يدي” و “والدي” بالفطرة، لكننا في المقابل أصبحنا أسرع... وأقل صبرًا... وأكثر طمعًا. في عصر “اضغط لتربح”، ضاعت القاعدة الذهبية التي تقول:
“فكّر في القيمة... لا السعر”. 
نركض خلف ارتفاعات مؤقتة، ننسى الاستراتيجية، ونتجاهل الصبر. في حين أن عصر الطيبين كانت تنظر إلى الأصول بعين طويلة الأمد، وتدرك أن المال ليس هدفًا بل أداة. 
دروس لا تُنسى... من بيتنا بدأت المحفظة...
ليس لأن المال كان كثيرًا، بل لأن الفكر كان نقيًّا. علّمني “يدي” و “أبي” أن المال يجب أن يُدار، لا أن يديرنا. علّموني أن هناك فرقًا بين الادخار للخوف... والادخار للحكمة. علّموني أن الاستثمار ليس رفاهية... بل ضرورة. وكانت هذه الدروس كفيلة بأن أواجه بها تقلبات السوق، ومغريات العوائد السريعة، وضغوط اللحظة. 

من علّمك أول درس؟
في هذه الحياة، ستدرك أن لكل شخص دورًا في رحلتك التعليمية. البعض يدرّسك مادة. البعض يمنحك تجربة. لكن هناك من يعطيك درسًا لا يُنسى مدى الحياة اسمه: “الاستثمار”. 
 المعرفة لا تبدأ في الجامعة، بل في البيت. والمحفظة لا تُبنى بالحسابات فقط، بل بالنية، الصبر، والنظرة للمستقبل.

نصيحة أخيرة...
لا تترك مشاعرك تقود قراراتك المالية... قد يغريك الخوف أو الطمع أو العجلة...
لكن دائمًا، العقلانية هي سر النجاح... والهدوء في لحظات التقلب هو ما يصنع الفارق. 
المال أداة، لكن العقل هو البوصلة... والاستثمار رحلة، لكنها لا تُكمل إلا بالصبر.

 

خبير مصرفي ومستشار اقتصادي

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .