يقول الشاعر “وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى.. وفيها لمن خاف القِلى متعزل”.. وصف من بيتين يوجز الحكمة، ويضع الكرامة الإنسانية في موضعها الحق. فهي ليست ضجيجًا ولا استعراضًا، بل أسلوب حياة يولد من روحٍ عزيزة لا تقبل المهانة.
لم يكن المرء الكريم يُقاس بحظه أو وفرة ما يوزع من عطايا، بل بقدرته على أن يعيل نفسه بعيدًا عن ذل السؤال، وأن يبتعد عن موارد الأذى، ولو كان الثمن عيشًا وحيدًا أو حياة في عزلة. الكرامة في مثل هذه المواقف ليست خيارًا ثانيًا، بل هي له ولصميم وجوده. ولهذا، كان اعتداد العرب بالنفس يسبق الامتلاء والثراء. فالجوع أهون من سؤال يجرح الكبرياء، والعزلة أطيب من صحبة تجرّ إلى الامتهان.
وفي عالمنا اليوم، حيث تتزاحم المصالح وتكثر المغريات، يصبح هذا البيت رسالة للجيل الجديد: احفظوا كرامتكم، ولا تفرّطوا فيها رخيصة، وتذكروا أن طريق العزة قد يكون أطول وأشق، لكنه الأبقى والأثبت. فلا أحد يحمي الإنسان مثلما يحمي نفسه إذا تمسك بسلامة مبادئه.
ومن أيسر أشكال الكرم أن يعطي المرء من فضله، لكن من أعمق معانيه أن يصون ماء وجهه رغم الحاجة. وهنا يظهر الفارق بين من ينظر إلى الكرامة كزينة اجتماعية عابرة، ومن يتخذها عهدًا دائمًا.
إن الدنيا رحبة، ومن ضاق صدره بالناس وجد في الأرض متسعًا. أما الكريم، فحيثما حلّ يظل محفوظًا بعزيمته، مهابًا بكرامته، بعيدًا عن ذل السؤال، قريبًا من معارج المعنى الحق.
*كاتبة وأكاديمية بحرينية