العدد 6151
الأحد 17 أغسطس 2025
غزة وكلمة الصحافيين.. كأس العز لا ماء الذل
الأحد 17 أغسطس 2025

لم يكن استهداف خيمة الصحافيين في غزة حدثًا عابرًا، بل جريمة متعمدة سعى من خلالها الاحتلال إلى إسكات الكلمة وإطفاء الصورة معًا. ففي ذلك اليوم ارتقى الصحافيان أنس الشريف ومحمد قريقع، وإلى جانبهما المصوران إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل، بعد أن قصفوا مباشرة في خيمتهم، في جريمة اعترف بها الاحتلال علنًا.
إن المهنة تدرك أن الصحافي الذي يمزج شهادته بالصورة يصبح شاهدًا لا يمكن إسكات صوته، وأن كاميرته تنطق بالحقيقة أوضح من ألف بيان كاذب. ولهذا لم يتوقف الاحتلال منذ بداية الإبادة عن ملاحقة الصحافيين، وتهديد أقاربهم، وقصف منازلهم. وحتى اليوم، تجاوز عدد الشهداء من أهل الكلمة والصورة 276 صحافيًا وإعلاميًا، لكن لا قانون دولي، ولا إدانة من الأمم المتحدة أوقفت هذه المجزرة. فالقتل المتعمد للصحافيين، وفق نصوص القانون الدولي، يُعد جريمة حرب. ولكن أين القانون حين يُعاقَب القضاة بدلًا من مجرمي الحرب؟ وأية عدالة تبقى حين يكتفي العالم ببيانات إدانة لفظية، فيما السلاح لا يزال يتدفق إلى آلة القتل بلا انقطاع؟
والمفارقة أن الكيان الذي بنى حياته على أساطير المظلومية، يرتكب اليوم الهولوكوست الحقيقي بحق شعب أعزل، ويريد أن يفعل ذلك من دون شهود. يريد أن يقتل الضحية ويسرق صوتها وصورتها، ليترك للعالم فقط روايته المصنوعة. وقد قال عنترة بن شداد: لا تسقني ماءَ الحياةِ بذِلّةٍ... بل فاسقني بالعِزِّ كأسَ الحنظلِ. وهكذا رحل أنس، ومحمد، وإبراهيم، ونوفل، بعدما شربوا كأس العز، وتركوا للعالم صورًا وكلمات لا تمحى، شاهدة على أبشع جرائم هذا العصر.

 

*كاتبة وأكاديمية بحرينية

صحيفة البلاد

2026 © جميع الحقوق محفوظة, صحيفة البلاد الإلكترونية .